عام الرئيس سعد الحريري كان عام إثبات صحة الخيارات دفاعاً عن الصبي.

استقال الحريري في السعودية استقالةً إشكالية، وعاد عنها ليستأنف الانخراط في التسوية الرئاسية ويحضّر للانتخابات النيابية، على أمل تحديد الخسائر الى السقف الذي يستطيع من خلاله التأكيد لنفسه وجمهوره وقاعدته أنه لم يخسر ما تمنّاه خصومُه.

خاض الحريري الانتخابات النيابية، وأتت النتائج لتبرهن انّ القانون الانتخابي الذي وافق عليه على مضض كان معدّاً جيداً للوصول الى الغاء حصرية زعامته السنية. من 35 نائباً الى 20 هبوط اضطراري لم ينسحب على أيّ مكوّن آخر خصوصاً على الثنائي الشيعي الذي حافظ على مقاعده واضاف اليها ودائع ثمينة بدأ يستعملها عند السنة والدروز تحديداً لتحجيم الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

وجاء تشكيل الحكومة فإذا بالأجندات تتكشف على حقيقتها، فالمطلوب مقاسمة الحريري في التمثيل الوزاري السني، ولو بوزير واحد، لكسر الحصرية السنية الحريرية، فما كان من «أُم الصبي» إلّا أن وقفت صموداً ودفاعاً عن آخر الأسوار قبل سقوط القلعة على من فيها.

يصح في وصف الحريري 2018 صفة الصمود عن جدارة:

ـ اولاً، صمد الحريري بعد النتائج التي فاجأته في الانتخابات النيابية، فتوقع الفوز بـ 28 مقعداً يختلف عن الفوز بـ 20، وترجمت المفاجأة على شكل محاسبة داخلية اطاحت بأبرز الاقرباء والمساعدين، ولم يكن أحد يتوقع أن يذهب الحريري الى هذا الاجراء النادر، الذي فُهم منه أمران: تعديل العلاقة مع «التيار الوطني الحر» وليس نسفها، وإفهام أهل البيت «المستقبلي» ان لا احد فوق رأسه خيمة متى دقت ساعة المحاسبة.

ـ ثانياً، صمد الحريري في تشكيل الحكومة، فاللعب بهدوء ومن دون فقدان أدوات اللعب بات من ضرورات المواجهة مع خصم شرس. صمد الحريري في مطالبه وتمسك بصلاحيات رئاسة الحكومة على رغم انّ هذه الصلاحيات تعرضت للانتهاك في الشكل، وكانت سنته على قدر المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد أزمة التمثيل السني إذ رسم خطوط دفاعه بوضوح وتمسك بها: لا لتوزير سنة 8 آذار لا من حصته ولا من ايّ حصة اخرى، ولا لدفع ثمن اضافي بعد دفع ثمن قانون الانتخاب، فالعاصفة لا يمكن ان تهبّ مرتين، والهدف منع «حزب الله» من ترجمة قانون الانتخاب في تشكيل الحكومة.

ـ ثالثاً، صمد الحريري في الدفاع عن موقفه وموقعه الذي احتله رفيق الحريري قبله. الموقع الدولي لم يهتز، من باريس الى واشطن شبكة علاقات ترى فيه المؤهل الوحيد ليكون رئيس حكومة لبنان، ومن الرياض الى ابوظبي، فالقاهرة، علاقات عربية ثابتة على رغم بعض الاهتزاز الظرفي، لا ترى في البيت الحريري إلّا المعبر الاجباري للتعامل مع لبنان.

تنتظر الحريري في السنة الجديدة تحديات كبيرة. فما ما مضى لن يكون اسهل ممّا سيأتي.

الحصار الدولي على إيران يشتد وهي بدورها تثبت موقعها في لبنان وتحاصر مَن ترى فيهم اصدقاء اعدائها، والحريري على رأسهم.

نجاح روسيا وإيران في منع سقوط النظام السوري جعله يستفيق على مرحلة مضت لم تنته بالنسبة إليه، والهدف استعادة نفوذ ما قبل العام 2005.

الحكومة المكلف تشكيلها تنتظر، فيما الوضع الاقتصادي والنقدي والمالي لا ينتظر، وكلفة السقوط سيكون له نصيب في دفعها، إن استمر في معادلة: «لا اعتذر عن التشكيل ولا أُشكل في شروط حزب الله».

سعد الحريري صامد، لكن هل يأبه من يحاصرونه إذا لم يصمد البلد؟

الارجح أنهم يريدون تدفيعه كلفة تشكيل الحكومة وكلفة تعطيلها، وفي الحالتين سيكون امام اتخاذ الخيار الصعب، فكيف سيترجم شعار رفيق الحريري «ما حدا اكبر من بلدو».. فلننتظر.