انتهت مهلة المئة يوم التي فرضتها القوى السياسية المشاركة في ​الحكومة​ على نفسها، لتقييم العمل والأداء، والتي ذهب بعضها إلى حدّ توقيع وزرائها استقالاتٍ مسبقةٍ قد يتمّ اللجوء إليها في حال الإخفاق، كما فعل "​التيار الوطني الحر​".

انتهت مهلة المئة يوم، والحكومة في "ورشة" حقيقيّة لتحقيق "إنجازٍ" متمثّل في موازنةٍ تقشفية غير مسبوقة، وهو ما يشكّل "تحدياً" جدياً على ما يبدو بالنسبة إليها، على وقع الإضرابات والاعتصامات التي تلاحقها من كلّ حدبٍ وصوب.
وبانتظار تحقّق "الإنجاز" من عدمه، تُطرَح علامات استفهام أخرى عمّا حقّقته الحكومة على مدى مئة يوم، إن وُجِد، وعن الثغرات والصعوبات التي واجهتها، وبين هذا وذاك، عن "التغيير الحكومي"، وإن بدا مُستبعَداً حتى إشعارٍ آخر...

إنجازات تحقّقت؟!
مع انتهاء مهلة المئة يوم التي وضعتها القوى السياسية الممثَّلة في الحكومة لتقييم أدائها، يبدو صعباً بالنسبة إلى كثيرين، العثور على "إنجازاتٍ" فعليّة حقّقتها الحكومة، استطاعت من خلالها إحداث النقلة النوعيّة الموعودة في البلاد، أو بالحدّ الأدنى، تسجيل "خرقٍ ما" يمكن الولوج من خلاله إلى شعارات النهضة الاقتصاديّة و​محاربة الفساد​، التي تردّد صداها كثيراً منذ ما قبل ​تشكيل الحكومة​، ولا يزال مستمراً.
وإذا كان البعض يجد أنّ الوقت لا يزال مبكراً للحكم على الحكومة، باعتبار أنّ مهلة ثلاثة أشهر وعشرة أيام لا تبدو كافية لذلك، فإنّ القوى التي يمكن اعتبارها "دينامو" الحكومة، وفي مقدّمها "التيار الوطني الحر" و"​تيار المستقبل​"، تعتبر الحديث عن "إخفاق" حكوميّ "مُطلق" في هذا التوقيت، جزءاً من "الحملات المشبوهة" التي يشنّها البعض على الحكومة لعرقلة عملها ومنعها من الإنجاز، وهو ما يظهر جلياً اليوم على خط ​الموازنة​.
أكثر من ذلك، يصرّ هؤلاء على أنّ إنجازاتٍ تحقّقت في هذه المهلة القصيرة، ولو أنّ البعض يتعمّد عدم تسليط ​الضوء​ عليها، أو التقليل من شأنها إلى حدّ بعيد، وعلى رأس هذه الإنجازات خطّة ​الكهرباء​ التي تمّ إقرارها، وإن أحاطت بها بعض التعقيدات في الأيام الماضية، وهي الخطة التي يفترض أن تدشّن مشروع الحكومة الإصلاحيّ في قطاعٍ أكثر من حسّاس، ويعاني منذ سنوات طويلة. ويُضاف إليها إنجازاتٌ أخرى لا يجدر القفز فوقها، سواء لجهة انطلاق معركة ​مكافحة الفساد​، وإن بالحدّ الأدنى، وبعض ​التعيينات​ الإداريّة والعسكريّة التي أقرّت، فضلاً عن إطلاق دورة التراخيص النفطيّة الثانية، وهو ما يعوَّل عليه كثيراً في المرحلة المقبلة.
ولا تُعتبَر الموازنة، وإن كانت لا تزال في مرحلة ​النقاش​ داخل الحكومة، بمنأى عن "الإنجازات" التي تحقّقت، على رغم أنّها يفترض أن تكون "واجباً" لا أكثر، في دورة ​الحياة​ لأيّ حكومةٍ، بل إنّها تُعتبَر الأساس لكلّ ما يأتي بعدها. وإذا كان البعض يبرّر عدم وجود إنجازاتٍ أخرى كثيرة بالانهماك بالموازنة التي شكّلت "أولوية" الحكومة لاعتباراتٍ وحساباتٍ كثيرة، ربطاً بمؤتمر "سيدر" للنهوض الاقتصادي والشروط المفروضة بموجبه، فإنّ "الرهانات" كثيرة عليها، خصوصاً أنّ الحكومة تصرّ على أنّها لن تكون كسابقاتها، وبالتالي ستكون "بوابة" كلّ الإنجازات الأخرى، وإن بدا الأمر عرضة للتشكيك اليوم، حتى إثبات العكس.

المشكلة الأكبر!
قد لا تكون الإنجازات التي يتحدّث عنها المدافعون عن الحكومة على قدر الآمال والتطلعات التي كان هؤلاء أنفسهم يتحدّثون عنها قبل مئة يوم، حين كانت الشعارات والوعود أكثر من أن تُعَدّ وتُحصى، لتأتي النتيجة في نهاية المطاف مخيّبة للآمال إلى حدّ بعيد، بل لتبدو الحكومة مثلها مثل سابقاتها، وأقرب إلى حكومات ​تصريف الأعمال​ في مكانٍ ما.
وإذا كانت جميع القوى السياسية تتحمّل مسؤولية لا لبس فيها في هذا الوضع، باعتبار أنّ النهج الذي لطالما كان معتمَداً في السابق لا يزال يراوح مكانه، بعيداً عن الشعارات الرنّانة التي يرفعها البعض، والتي أوحت في وقتٍ ما بالعكس، فإنّ التحدي الأكبر الذي واجه الحكومة ولا يزال، يبقى من داخلها أولاً وأخيراً، في ظلّ جمعها للأضداد على طاولةٍ واحدةٍ.
ولعلّ الإخفاق الأكبر الذي منيت به خلال مئة يوم يتمثّل في عجزها عن تحقيق "التضامن الحكومي" بحدّه الأدنى، بدليل تحوّل الحكومة إلى "حلبة ملاكمة" في العديد من المحطات، وعلى خلفية أكثر من ملفّ، على غرار ما حصل مثلاً بعد زيارة وزير الدولة لشؤون ​النازحين​ ​صالح الغريب​ إلى ​سوريا​ وما فجّرته من اشتباكاتٍ وزاريّة، فضلاً عن "المزايدات" التي يدخل فيها الوزراء للتصويب على بعضهم بعضاً، وذهاب بعض القوى الممثّلة في الحكومة إلى حدّ تصنيف نفسها "معارضة" في مكانٍ ما، أو "نصف نصف" وهو المصطلح الذي أطلقه "​تيار المردة​" مثلاً على تموضعه الحكوميّ.
ويبقى المثال الفاقع على غياب "التضامن الحكوميّ" بحدّه الأدنى عن طاولة الحكومة، ما يمكن اعتباره "فضيحة" في إطار الطعن ب​خطة الكهرباء​ الذي قدّمه رئيس حزب "الكتائب" ​سامي الجميل​، والذي حمل توقيع عشرة نواب، نصفهم تقريباً من الممثَّلين في الحكومة، بل إنّ أحد الموقّعين من "​الحزب التقدمي الاشتراكي​" صرّح بأنّه وقّع عن كلّ أعضاء كتلته النيابيّة، التي تضمّ أصلاً وزيرين في الحكومة، علماً أنّ أدبيّات العمل الحكوميّ تفرض على أيّ وزير الدفاع عن كلّ خطط حكومته متى أقرّت داخل ​مجلس الوزراء​، ولو كان معارضاً لها.
ولا شكّ أنّ التحدّيات التي تواجه الحكومة أيضاً، تتمثّل في الشارع، الذي تعتبر الكثير من المكوّنات الحكومية أنه يتمّ استغلاله سياسياً من قبل بعض القوى لتسجيل النقاط على الخصوم هنا أو هناك. ولعلّ ما حصل من تحرّكاتٍ ضاغطة خلال الأيام الماضية، سواء في ما يتعلق بالموازنة، أو وصلة ​المنصورية​ و​خطوط التوتر العالي​، يندرج في هذه الخانة، ويوحي أنّ هناك من يريد أن يفرض على الحكومة، تحت الضغط، إجراءاتٍ مناقضة للمشروع الذي جاءت على أساسه، علماً أنّ رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ كان أعلن صراحةً وقبل تشكيل حكومته، أنّ الأخيرة ستقدم على إجراءات قاسية وغير شعبيّة، ولكنّها ضرورية.

إخفاقات مستمرّة...
قد لا يكون واقعياً القول إنّ وضع الحكومة بات على المحكّ اليوم، ولو أنّ مهلة المئة يوم، والتي كانت سياسية ومعنوية، ولا تتمتّع بأيّ قوة قانونية، انتهت، من دون أن ينجح مجلس الوزراء في تحقيق ما وعد به، أقلّه حتى الآن.
وقد يكون مُستبعَداً لجوء أيّ من الأفرقاء، ولا سيما "التيار الوطني الحر"، إلى أيّ تغييرٍ حكوميّ في هذا التوقيت، لاعتباره أنّ الذنب ليس ذنب وزرائه، الذين يسعون ويجتهدون، ولكنّهم يصطدمون بالداخل قبل الخارج.
الأكيد أنّ الحكومة أخفقت، وأنّ الإخفاقات مرشّحة للازدياد وليس العكس، والأكيد أنّ السبب الجوهري في كلّ ذلك يبقى، إلى جانب السّياسات العامة التي لم تتغيّر مهما قيل ويُقال، في شكل الحكومة الأكثريّة، التي تجعل وزراء في الحكومة ضدّها وبالتالي ضدّ أنفسهم، بل يجاهرون بذلك من دون خجل...