تُظهر محاضر التحقيق في ملف السماسرة القضائيين والأمنيين في ما بات يُعرف بـ«فضيحة الفساد القضائي» حجم الفساد الذي يُعشّش في مخافر قوى الأمن وأروقة قصور العدل. فساد يعتاش منه موظفون قضائيون وعناصر أمنيون، ويراكم من خلاله ضباط وقضاة وسياسيون ثروات.

وكان فرع المعلومات في ​قوى الأمن الداخلي​ قد أوقف عدداً من المشتبه فيهم بدفع رشى لضباط وقضاة وموظفين قضائيين وعناصر أمنيين. وشاءت الصدف أن المكالمات والمحادثات المكتوبة التي يُجريها بعض هؤلاء كانت مسجّلة ومحفوظة على هواتف بعضهم منذ سنوات، ما كشف عن قضية «السماسرة القضائيين»، وعن تورّط قضاة وضباط وموظفين قضائيين وأمنيين كانوا يتلقون أموالاً لقاء ترك موقوف أو وقف بحث وتحرّ بحقّ مطلوب، إلى موافقات على رُخص حفر آبار وتركيب خيم قرميد، وقد تصل إلى التوسّط (سابقاً) لدخول الكلية الحربية مقابل مئة ألف دولار!
أبرز «السماسرة» الموقوفين هم: جوزيف س. إيلي ب. سالم ع. وأحمد د. إذ كان هؤلاء يملكون شبكة علاقات واسعة مع ضباط وقضاة، استخدموها أحياناً لأداء خدمات مجّانية ومدفوعة.
«الأخبار» حصلت على جزء من محاضر التحقيق التي أُجريت مع جوزيف س. وإيلي ب. وعدد من الموقوفين المرتبطين بهما (هذه المحاضر لا تضم التحقيقات بشأن شبهات الفساد بحق قضاة. فالتحقيقات المتصلة بالقضاة أعدّت في محاضر على حدة، وغير مشمولة بما سيُنشر اليوم). واللافت فيها أنّ عدداً من المتّهمين الرئيسيين مدينون لمصلحة مرابين، فيما يعمل بعضهم في المراباة، عبر استدانة مبالغ مالية من مرابين ثم إقراضها مقابل فائدة أكبر. وفي هذا السياق، جاء في التحقيق أن أبرز الموقوفين جوزيف س. استحصل على شيك بقيمة ١٣٥ ألف دولار من وليد ا. الذائع الصيت في قضايا النصب والاحتيال، وأعطاه إلى أحد المرابين، قبل أن يتبين أن الشيك من دون رصيد. عندها أصبح جوزيف س. ملاحقاً من المرابي، فيما هو يلاحق صاحب الشيك. ولحلّ المشكلة، رضخ صاحب الشيك وأعطى جوزيف س. سيارة رباعية الدفع ليُعطيها للمرابي لحل المشكلة مؤقتاً. غير أنّه سرعان ما تبين أنّ السيارة مسروقة من شركة لتأجير السيارات! يُصبح الثلاثة ملاحقين عندها. والمثير للسُخرية أن أحد رتباء مكتب مكافحة السرقات الدولية المكلّفة متابعة القضية، متورّط في أعمال مراباة، وله في ذمّة جوزيف س. 20 ألف دولار، ويتقاضى منه 2000 دولار شهرياً كفوائد.
الأبرز في هذا الملف كان إخفاء خلاصة حكم صادرة بحق الموقوف مهدي م، المدعى عليه بتهريب أطنان من المخدرات خارج لبنان، وإخفاء مذكرة توقيف بحق وليد ا. ويُشتبه في أن يكون جوزيف س. قد قام بدور الوسيط بين الرجلين ورتيب التحري ن. ع. الذي قال أحد الموقوفين إنه تقاضى مبلغاً من المال مقابل إخفاء الحكم ومذكرة التوقيف. وهو سبق أن أخفى مذكرة توقيف صادرة بحق زوجة جوزيف س.، وكان يتقاضى مبالغ مالية لقاء الاستفسار عن السجل الجرمي (ما يُعرف بـ«طلب النشرة») لعدد من الأشخاص.
اللافت أن التسجيلات التي عُثر عليها على هواتف جوزيف س. تسببت بتوقيف معظم أفراد مخفر المعلّقة (زحلة) الذين أفاد الموقوف أنّه كان يدفع لهم بين 100 ألف ليرة و300 ألف ليرة مقابل كل خدمة مخالفة للقانون يسديها أحدهم له، من بينها السماح له أثناء توقيفه باستخدام هاتفه والنوم خارج النظارة، وعدم قيام الرتيب المسؤول عن البلاغات القضائية في المخفر بإبلاغه رسمياً بالدعوى ريثما يُسوّي وضعه مع المدّعين. كذلك كان يطلب من العاملين في المخفر عدم تعميم بلاغات البحث والتحرّي بحق أشخاص يُعطيهم أسماءهم أو التريث في أخذ إشارة من النيابة العامة بحق مدعى عليهم. هنا تحضر حادثة إطلاق المرشّح السابق للانتخابات رضا المصري النار على ابن شقيقته. إذ ذكر الموقوف أنّ والد رضا المصري طلب مساعدته لعدم تعميم بلاغ بحث وتحر بحقّ ابنه لحين تسوية الأمر. كما تبين وجود محادثة بينه وبين أحد عناصر الشرطة القضائية تتعلّق بقضية «مضاهاة خطوط»، أي مقارنة الخطّ في شيك مصرفي جرى التلاعب في قيمته، حيث كان يخبره العنصر بأنّه بذل المستحيل ليُظهر النتيجة لمصلحته وطلب منه 15 ألف دولار (يُشتبه في كونها رشوة).
كذلك عثر على هاتف الموقوف على محادثة مع المعاون ح. خ.، أحد مرافقي المدعية العامة في ​جبل لبنان​ القاضية ​غادة عون​، تدور حول التوسّط للموقوف ألان ش. المتهم بترويج مخدرات. وذكر جوزيف أنّ العنصر الأمني أبلغه أن الكلفة المالية ستكون ألفي دولار لحين الموافقة على إخلاء السبيل.
السمسار الثاني البارز، إيلي ب. الذي يملك معرضاً لتأجير السيارات، أبلغ المحققين أنّه يتعاطى الشأن العام من خلال خدمات مختلفة يؤديها لأصدقائه، وأنه بحكم عمله على علاقة جيدة بعدد من المسؤولين القضائيين والأمنيين من مختلف الأجهزة، وقد سهّل له زواجه بابنة أحد النواب السابقين توطيد علاقته بهم وتبادل الزيارات العائلية. وعن المقابل للخدمات التي كان يؤديها، أجاب: «أُحب أن أخدم من يقصدني كوني أعتبر هذا الأمر واحدةً من ملذاتي». وقد عُثر في هاتف إيلي على محادثة مع رتيب في ​مكتب مكافحة المخدرات المركزي​ كان يستعير من المعرض سيارات من دون مقابل أحياناً، مدّعياً استخدامها في مهمات أمنية. وفي الحديث، يطلب ايلي ب. مساعدة بعد توقيف أشخاص تربطهم علاقة بأحد العاملين لديه. وقد أبلغه الرتيب أنّه تواصل مع القائم بالتحقيق للتوسط لإخلاء سبيلهم، وأن الأخير طلب بين 2000 و3000 دولار.
وبنتيجة عدد من المحادثات، سُئل الموقوف ايلي ب. عن علاقته بمازن أ، الموظف في أحد المصارف الكبرى، فأفاد بأنّ الأخير كان يستحصل له على سجلات عدلية وإخراجات قيد. كما كان يستدين منه مبالغ مالية لتسيير أموره مقابل فائدة شهرية، كاشفاً أنّ للأخير في ذمّته 100 ألف دولار. وبيّنت التحقيقات أن الموقوف وشقيقه خالد كانا يُغدقان الهدايا على ضباط وعناصر أمن مقابل تسهيلات يحصلان عليها. فقد أهدى خالد بندقية صيد لـ«ف ا» في ​أمن الدولة​ لتجديد بطاقات تسهيل مرور.

المحادثات التي كان يُجريها بعض هؤلاء كانت مسجّلة ومحفوظة على هواتفهم منذ سنوات

وأفاد إيلي في التحقيق بأنّه كان يطلب الخدمات لمعارفه لمساعدتهم أثناء السفر أو كشف أسبقياتهم الجرمية من دون مقابل. وقد عُثر في هاتفه على محادثة بينه وبين «أ. ف»، أحد عناصر ​جهاز أمن المطار​، كان إيلي قد أرسل اليه أسماء طالباً منه الاستعلام عن أصحابها. وبحسب إيلي، فإنه تعرّف إلى الجندي في جهاز أمن المطار في حفل زفاف لقريب أحد السياسيين النافذين، و«قد طلب منه السياسي أن يهتم بأموري ويُنفّذ طلباتي، وبالفعل بدأت أتواصل معه وأطلب منه أسماء أشخاص للاستعلام عنهم لتسهيل عبورهم في المطار». وعندما سُئل عن السياسي النافذ، أجاب بأنّه الأمين العام لتيار سياسي كبير.
كذلك عُثر على مضمون محادثة بين الموقف وشقيقه خالد في أيلول 2018 يطلب فيها شقيقه منه تأمين رخصة خيمة زجاجية في الجميزة. يومها أجاب إيلي بأن المسؤول الأمني لمرجع رئاسي يطلب منه 8 آلاف دولار لقاء تأمين رخصة خيمة و4 آلاف دولار لقاء ترخيص بئر ارتوازية. وأجاب إيلي عن أسئلة المحققين شارحاً أنه كان يقوم بزيارة المسؤول الأمني المذكور في مكان عمله «لوجود صداقة بيننا، حيث عرض عليّ أن يُساعدني في أي شيء يخص أعمال الآبار والبناء إذا احتجت إلى ذلك». وذكر أنّه عندما طلب شقيقه منه هذا الموضوع، توجّه إلى المسؤول وطلب منه الخدمة، فطلب الأخير مبلغ ثمانية آلاف دولار عن الخيمة وأربعة آلاف دولار عن كل بئر. يقول إيلي: «فوجئت بالموضوع وأبلغت شقيقي بالأمر، لكنه لم يُقدم على ذلك لأن المبلغ كبير». وذكر أنّ المسؤول الأمني طلب منه إرسال الصور وقياسات الخيمة إلى سائقه.
وضُبط مع إيلي لدى توقيفه عدد كبير من رخص السلاح ورخص الزجاج الحاجب للرؤية وتسهيل مرور من ​المديرية العامة لأمن الدولة​ و​مديرية المخابرات​ ورخص سلاح صفة خاصة باسمه وبأسماء آخرين. وأفاد بأنه استحصل عليها عبر شخص يُدعى ف. ا، وهو عسكري في مكتب المدير العام لأمن الدولة اللواء صليبا. أما بطاقات مديرية المخابرات، فذكر أنّ مسؤولاً أمنيا تابعاً لرئيس سابق كان يُنجزها له قبل عام 2015، أما في عامي 2016 و2017، فكان المسؤول الأمني لمرجع رئاسي حالي «يساعدني بالاستحصال عليها. فيما تراخيص الزجاج الحاجب فقد كنت أستحصل عليها عبر مستشار» الأمين العام لتيار سياسي كبير.
إضافة إلى جوزيف س. وإيلي ب.، أوقف أيضاً إيلي ص. وعلي ب. الأول كان يتولى إرسال حوالات مالية إلى أشخاص بطلب من جوزيف س. الذي كان أيضاً يُرسل إليه شيكات مصرفية للتأكد من قانونيتها وإذا كان بالإمكان صرفها. وقد عُثر على محادثة بين علي ب. وعقيد كان يعمل في وزارة الداخلية، قائلاً إنّ علاقة صداقة تربطه به. وتحدّث عن طلب بطاقات ترخيص حاجب للرؤية، زاعماً أن شقيقه اشترى للضابط المذكور أونصة ذهب من ​شتورا​، وتركها على مكتبه أثناء زيارته في وزارة الداخلية.