على الرغم من تواصل الجُهود الكثيفة لإيجاد تسوية مَقبولة لقضيّة أحداث البساتين، على أكثر من خط وعلى أعلى المُستويات، لم تنجح بعد الإتصالات واللقاءات المُتعدّدة القائمة، في تمهيد الطريق أمام عودة ​مجلس الوزراء​ للإنعقاد. فما هي الأسباب، وأيّهما أقل ضررًا: إنعقاد الجلسة بدون توافق مُسبق، أو الإستمرار في عدم عقدها؟.
لا شكّ أنّ "سيناريو" الدعوة لعقد جلسة لمجلس الوزراء بدون التوصّل إلى تسوية مُسبقة لأحداث "الجبل" يعني توقّع حُصول إشكالات كبيرة داخل أروقة المجلس. فرئيس الحُكومة ​سعد الحريري​ مُصرّ على عدم إدراج بند إحالة جريمة "البساتين" في جدول الأعمال، ما سيفتح الطريق لطرح القضيّة من خارج جدول الأعمال، بمُجرّد إثارتها من قبل مُطلق أي وزير، حتى لوّ أنّ هذه الصلاحيّة مُعطاة حصرًا لرئيس الجُمهوريّة العماد ​ميشال عون​. لكن حتى لو لم يكن رئيس الجُمهوريّة هو المُبادر لطرح الموضوع، إنطلاقًا من السُلطات المُعطاة له في القانون، فإنّ طرح الموضوع من وزير أو أكثر على طاولة المجلس، سيُؤدّي تلقائيًا إلى إشتعال ​النقاش​ بشأنه، ما لم يُطالب رئيس الجمهوريّة بسحبه، وهو ما لن يحصل، بحسب التوقّعات. وليس بسرّ أنّ وزير ​الدولة​ لشؤون ​النازحين​ ​صالح الغريب​ المَعني مُباشرة بالقضيّة، يحظى بدعم كلّ من وزراء "التيّار الوطني الحُرّ" و"​حزب الله​" بأقلّ تقدير، وهو بالتالي، سيُطالب بالبحث في القضيّة، وبالتصويت على الإحالة إلى ​المجلس العدلي​، في ظلّ تقديرات تتحدّث عمّا لا يقلّ عن 15 صوتًا داعمًا لهذه الإحالة، في حين أنّ باقي الوزراء قد ينقسمون بين الرفض والإمتناع عن التصويت. وفي كل الأحوال، إنّ رئيس الحُكومة، يرفض التصويت على هذه القضيّة الأمنيّة الحسّاسة، ولن يسمح بحُصوله، ما يعني أنّ جلسة الحُكومة المُرتقبة لن تنتهي على خير، في حال الإصرار على عقدها قبل تحضير الأجواء المناسبة لذلك، وإحتمال تطييرها عبر إنسحاب هذا الفريق أو ذاك، قائم بقُوّة.
من جهة أخرى، إنّ الإستمرار في تأجيل عودة مجلس الوزراء إلى الإنعقاد، يعني عمليًا إستسلام السُلطة التنفيذيّة لضُغوط بعض القوى السياسيّة، وعدم أخذ المُبادرة في إدارة الحُكم–وفق الصلاحيّات والسُلطات المُعطاة لكل مسؤول وفق الدُستور والقانون، مع ما يعنيه هذا الأمر من ضرب إضافي لهيبة الدولة والقانون في ​لبنان​. كما أنّ غياب جلسات مجلس الوزراء لفترة مُتواصلة زادت عن ثلاثة أسابيع أسفر عن تراكم العديد من البُنود والملفّات المُلحّة، في الوقت الذي تحتاج فيه الأزمة الإقتصاديّة والمعيشيّة لأيّ دقيقة عمل مُمكنة. أكثر من ذلك، إنّ المُجتمع الدَولي الذي ينتظر إشارات إصلاحيّة جدّية من جانب السُلطات الرسميّة في لبنان، يتلقّى إشارات سلبيّة كبيرة من غياب إجتماعات ​الحكومة​، ومن الخلافات المُتراكمة بين القوى السياسيّة اللبنانيّة، الأمر الذي يؤثّر سلبًا على مُقرّرات مُؤتمر "سيدر"، وعلى كل المُساعدات المَوعودة. والمسألة لم تعد مَحصورة بتراجع النائب ​طلال أرسلان​، أو بتراجع النائب السابق ​وليد جنبلاط​، ولا بالكباش السياسي الحاصل بين رئيس الحكومة من جهة وبعض القوى السياسيّة من جهة أخرى، بل صارت مُرتبطة بإنتاجيّة العهد الرئاسي للعماد ميشال عون ككل، والذي يقترب بسرعة من الإحتفال بإنقضاء نصف فترة الحكم، وهي الفترة التي يُعوّل عليها عادة لتحقيق الإنجازات خلال مُطلق أيّ عهد.
وبالتالي، يُمكن القول إنّ الأضرار التي قد تنجم من إنعقاد جلسة لمجلس الوزراء من دون توافق مُسبق كبيرة وخطيرة، لكنّ الإستمرار في غياب السُلطة التنفيذيّة عن القيام بدورها في إدارة الحُكم في البلاد لا يقلّ ضررًا وخُطورة! وهذا الواقع يستوجب أن يُبادر كبار المسؤولين الرسميّين إلى فرض تسوية على مُختلف القوى المُتخاصمة، حيث يُمكن القيام بهذا الأمر من دون الإنحياز لأي طرف ولأي مطلب، عبر تطبيق القانون بحذافيره على الجميع، وعبر إتخاذ كل الإجراءات القضائيّة والأمنيّة الضروريّة، للتوصّل إلى كشف حقيقة ما حصل، بالتزامن مع منع أي أعمال ثأريّة على الأرض، في إنتظار أن يقول القضاء كلمته في أسرع وقت مُمكن عبر تسريع وتيرة التحقيقات. وقد يكون من المفيد أن يتحرّك المسؤولون نحو رؤساء الكتل السياسيّة الأساسيّة، والطلب منها بأن تتحمّل مسؤوليّاتها كاملة في هذه الظُروف الدقيقة، والتوقّف عن توفير الدعم السرّي للمعنيّين بأحداث "الجبل" الأخيرة، لأنّه دفع المَعنيّين من الطرفين إلى التشدّد في مطالبهم، ورفع منسوب التوتّر، وشلّ الحكومة بشكل كامل، وهي التي إتخذت من عبارة "إلى العمل" شعارًا لها!.
في الخُلاصة، ما لم يتمّ التوافق على طرح موضوع أحداث "الجبل" على طاولة البحث في أوّل جلسة لمجلس الوزراء، مع تأمين مُوافقة مُسبقة لمُختلف الأطراف على صيغة تسوية تمرّ بالتحقيق في ​القضاء العسكري​، بالتزامن مع تسليم كل المَطلوبين من مُختلف الأفرقاء إلى السُلطات المعنيّة، فإنّ الخيارات بالنسبة إلى جلسة مجلس الوزراء تتراوح بين السيء والأسوأ!.