ل​آل فتوش​ باع طويل في الدعاوى المرفوعة أمام ​مجلس شورى الدولة​. وصل الأمر إلى حد إشارة وزير الصناعة إلى «علاقات مشبوهة» تحكم علاقة هؤلاء بعدد من القضاة. بعد التعويض الذي أُقرَّ لهم في عام 2006، بقيمة 200 مليون دولار، ها هو المجلس يقترب من إقرار تعويض جديد، لكن هذه المرة بقيمة 450 مليون دولار. المبلغ الضخم يعود، بحسب المستشار المقرر، إلى القيمة الكبيرة للأرباح الفائتة التي تُقدّر بـ 120 مليون دولار في السنة. هل تصدّق الهيئة الحاكمة القرار، بعدما صدّقه مفوض الحكومة؟ تحويل الملف إلى هيئة القضايا في المجلس قد يفرمل هذا التوجه، لكنّ شيئاً لم يُحسم بعد

هدأت جبهة ​عين دارة​ على الأرض، لكن فصولها مستمرة في مجلس شورى الدولة، كما في السياسة. لا ​بيار فتوش​ سيتراجع، ولا ​بلدية عين دارة​، ومن خلفها ​الحزب الاشتراكي​، ستتراجع. كل منهما يرى أن الحق والقانون معه. الجهة المعارضة لبناء معمل إسمنت في المنطقة تتحدث عن مخالفات بالجملة ارتُكبت، من تعديل مكان المعمل المحدّد في الترخيص، إلى قضم أراضٍ أكثر من تلك التي يملكها أصحابه، إلى إخفاء دراسة الأثر البيئي المشكوك في صحتها، إلى اعتداء أصحاب المعمل على أراضي ​محمية أرز الشوف​...

في المقابل، يتسلح آل فتوش برزمة من القرارات القضائية التي تؤكد حقهم بإنشاء المعمل، وتؤكد عدم جواز عرقلة عملهم ووجوب أن توفّر لهم القوى الأمنية العسكرية إمكان الوصول إلى مكان الأعمال. لكن مع ذلك، لا يبدو التأخير الذي يواجه بدء العمل في المجمع الصناعي مزعجاً لهؤلاء. كل يوم تأخير يمّر، هو بالنسبة إليهم، مستحق التعويض. لذلك، فإن الحسبة تشير إلى تعويض سيكون بالحد الأدنى 454 مليون دولار. ذلك ليس تمنياً من أصحاب المعمل، بل مطلب جدي حصل على سند قانوني أولي من مجلس شورى الدولة. حتى الآن، أقرّ المستشار المقرر فؤاد نون بهذا الحق، وأكده مفوّض الحكومة لدى مجلس الشورى القاضي ناجي سرحال في 6 أيار 2019. وهذا يعني، إن تحقق، تكبيد الدولة لخسائر تصل إلى نصف مليار دولار، ستضاف إلى التعويض الذي سبق أن أقره ​ديوان المحاسبة​ لآل فتوش في عام 2006، وقيمته 200 مليون دولار (تضاعف بسبب تراكم الفوائد)، جرّاء إقفال الدولة للمقالع آنذاك.
بين القضيتين الكثير من نقاط التشابه، لكن أبرزها يبقى في تكرار اسم الجهة التي يُعوَّض عليها، أي آل فتوش، وتكرار المطالبة بمبالغ تعويض ضخمة. يتكرر أيضاً اسما سرحال ونون، اللذين كانا جزءاً من الملف السابق. وقد أحيلا بسببه، مع قضاة آخرين، على المجلس التأديبي، حيث أجريت مساءلة مسلكية، قبل أن «يُضبضَب» الملف.
عندما تسلّم القاضي يوسف نصر (رئيس غرفة) رئاسة مجلس الشورى بالوكالة، وبعد اطّلاعه على الملف، قرر نقله من الغرفة التي يرأسها القاضي نزار الأمين إلى هيئة القضايا في المجلس، التي تضم كل رؤساء الغرف. خطوة نصر توحي أنه استشعر توجهاً لإصدار قرار جديد بالتعويض على آل فتوش، بمبالغ طائلة.
بدأت القضية في 14 كانون الأول 2016. حينها تقدّمت شركة «بيار وموسى فتوش» بدعوى ضد ​الدولة اللبنانية​ (ممثلة بوزارتي الداخلية والدفاع وبلدية عين دارة)، بسبب رفضها إعطائها تراخيص بناء على عقاراتها «بالرغم من استكمالها المعاملات والإجراءات اللازمة لدى التنظيم المدني ونقابة المهندسين ووزارة المالية وتسديد كافة الرسوم المتوجبة عليها»، ورفضها وقف التعديات على الملكية الفردية والملكية العامة وتأمين حماية الاستثمارات. وطلبت الجهة المستدعية تعويضاً عن خسائر وأضرار وربح يومي فائت لحقت بها قدّرتها مؤقتاً بـ500 ألف دولار، مع فائدة بمعدل 9 في المئة عن الفترة الممتدة من أوائل 2017 وحتى تاريخ التنفيذ الفعلي لمجمّعها الصناعي.

مقرر «الشورى» ومفوض الحكومة أيدا حق آل فتوش بالتعويض


ومسألة التعويض، صدر بشأنها قرار من الرئيس المقرر في 10 تشرين الأول 2017، عُيِّنَت فيه لجنة من الخبراء لتحديد قيمة الأضرار المُدلى بها، استناداً إلى دراسة الجدوى الاقتصادية التي أعدّتها شركة Arthur D. Little. وقد بُنيت هذه الدراسة على القدرة الإنتاجية للمصنع وكلفة الإنتاج وأسواق التصريف والأرباح التشغيلية بعد حسم النفقات. أما الفترة الزمنية المستوجبة التعويض، فقد قدّرت بخمس سنوات، ربطاً بسنوات التعطيل عن الإنتاج، بدءاً من بداية عام 2017 وحتى عام 2021. وهذه الحسبة تعتمد على أنّ الإنتاج كان مرتقباً في بداية عام 2017، بينما يحتاج بدء الإنتاج في حال بدء العمل في بداية عام 2018، أي بعد صدور القرار 245/2017 في 14 كانون الأول 2017 (ردّ طعن بلدية عين دارة بالترخيص الصناعي رقم 5297) إلى سنتين ونصف.
تشير دراسة الجدوى التي وضعتها شركة «أرثور أند ليتل»، تحت عنوان خطة عمل شركة «إسمنت الأرز»، ووافقت عليها وزارات الصناعة والأشغال العامة والنقل والبيئة، أن القدرة الإنتاجية للمصنع تراوح ما بين 2.2 و2.4 مليون طن من الإسمنت سنوياً، 25 في المئة منها ستسوَّق في لبنان و75 في المئة ستذهب إلى ​سوريا​.
بحسب تلك الدراسة، قُدِّرت الكلفة المباشرة للإسمنت بــ55 دولاراً للطن في عام 2017، وكان من المتوقع أن تنخفض إلى 37 دولاراً للطن في عام 2019، بسبب الإنتاج الداخلي لمواد تدخل في صناعة الإسمنت (كلينكر).
في محصلة الدراسة التي تبنّتها لجنة الخبراء، فإن الأرباح التراكمية المفترضة للمصنع هي 454 مليون دولار، وهي موزعة سنوياً على النحو الآتي: 39 مليون دولار في 2017، 70 مليون دولار في 2018، 108 ملايين دولار في 2019 (سنة البدء بالإنتاج الداخلي لمادة الكلينكر)، 116 مليون دولار في 2020 و121 مليون دولار في 2021. علماً أن اللجنة اعتبرت أن التعويض المتوجب عن الربح السنوي الصافي يجب أن يحتسب تصاعدياً اعتباراً من 2017 على أساس النسب المذكورة أعلاه وحتى تاريخ الإنتاج الفعلي، يضاف إليها التعويض عن ربح سنوي فائت عن سنتين ونصف سنة هي الفترة التي تحتاجها عملية التجهيز والتركيب والبناء.

لجنة الخبراء في «الشورى»: خسائر التأخير في الإنتاج 120 مليون دولار سنوياً


بدا المبلغ هائلاً. 120 مليون دولار أرباحاً في العام يطرح أكثر من علامة استفهام إن كان صحيحاً، ولذلك طلبت الدولة عدم الأخذ بتقرير لجنة الخبراء، مشيرة إلى أنه بعيد عن الواقع ومتحيز. إلا أن المقرر لم يأخذ بهذا الاعتراض، معتبراً أنه جاء في إطار الكلام العمومي المجرّد من أي إثبات، ولا يمكن الأخذ به، في مقابل تقرير علمي فني صادر عن لجنة الخبراء التي تُعَدّ بمثابة الموظف الرسمي عند تنفيذها المهمة المكلفة إياها. وبالتالي إن تقريرها يتمتع بقوة ثبوتية، ولا يمكن دحض هذه الحجة إلا بادعاء التزوير، وهو ما لم تقم به الدولة ولا البلدية.
كذلك يلفت المقرر النظر إلى أن وزارتي الصناعة والأشغال، وهما تنتميان إلى الشخص المعنوي نفسه الذي تنتمي إليه وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، وافقتا على طلب الجهة المستدعية تعيين خبراء اختصاصيين. ووافقتا أيضاً على مضمون التقرير. ويوضّح أن عدم وجود أي تعليق على التقرير من المختصمين أساساً، أي وزارتي الداخلية والدفاع وبلدية عين دارة، يشكّل قرينة على موافقتهم على ما جاء فيه.
خلاصة التقرير الصادر عن المقرر فؤاد نون، في 17 نيسان 2019، إلزام وزارة الداخلية ووزارة الدفاع وبلدية عين دارة بالتكافل والتضامن بدفع 454 مليون دولار للجهة المستدعية تعويضاً عن الأضرار اللاحقة بها والمتمثلة بالأرباح اليومية الفائتة، مع الفائدة القانونية بمعدل 9 في المئة («لا بد من تعويض الشركة المستدعية بفائدة قانونية تمثّل ثمن الوقت الضائع الذي لا يبدو واضحاً»)، والاحتفاظ بحق المستدعية بالمطالبة بالتعويض عن الأرباح اليومية الصافية الفائتة عن سنوات التأخير الإضافية. كذلك أقر التعليق والتمديد لمهل التجهيز والإنشاء والبناء وأي مهل أخرى من أي نوع كانت، بما يساوي التأخير الحاصل حتى تاريخ التنفيذ الفعلي للمجمّع الصناعي.


مفوَّض الحكومة: الدولة أضرّت بمصالح آل فتوش
لم يغيّر انتقال ملف «إسمنت الأرز» إلى مفوّض الحكومة لدى مجلس الشورى القاضي ناجي سرحال، من وجهته. فقد رأى سرحال أن التعويض المالي مستحق للشركة، وهو ما استوقف عدداً من المتخصصين، الذين يفترضون أن مهمة المفوض هي الدفاع عن حقوق الدولة، وبالتالي، السعي إلى نقض توجه المقرر، لا تأكيده تمهيداً للتعويض على آل فتوش بمبالغ طائلة.
لكن بالنسبة إلى المفوض، فإن مهمته واضحة، وهي تتمثل بأن «يصوغ بكل استقلالية مطالعته ورأيه في ظروف القضية ولجهة حسن تطبيق القانون وفق ضميره ويعطي الحل بعد إقفال التحقيقات». وهو ذهب إلى تحميل البلدية وسلطة الوصاية مسؤولية مخالفة القوانين التي أدت إلى الإضرار بالجهة المستدعية لناحية عامل الوقت، ولا سيما أن التأخير إرادي وناتج من سوء نية ومن عدم تطبيق القانون وخرق مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.
أما بشأن دراسة الأثر البيئي التي تثار الشكوك بشأنها، فذهب إلى اعتبار أنها لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً برخصة البناء، بل بملف الترخيص لمؤسسة مصنّفة قد صدر بنتيجتها قرار عن الغرفة الخامسة قضى بإبطال جزئي لبعض العبارات الواردة في الترخيص، لكن مع تأكيد صحته (اتخذ وزير الصناعة الحالي قراراً باسترداد الترخيص، إلا أن مجلس الشورى أوقف تنفيذه بعد طعن قدمه آل فتوش).
أما بشأن التعويض، فأشار مفوض الحكومة إلى أنه لا يملك أي دور تحقيقي، لكنه يدرس التقرير من الناحية القانونية ويعطي رأياً إما مطابقاً أو مخالفاً. وعليه، فقد رأى أن «المقرر أحسن إظهار مسؤولية الدولة لجهة مسؤولية العاملين لديها على مخالفة القوانين والأنظمة المرعية، خاصة لجهة مخالفة قانون البناء وقانون البلديات وعدم المؤازرة الأمنية، ما أدى إلى الإضرار بمصالح الجهة المستدعية لعدم تمكنها من تنفيذ رخصة البناء توصلاً إلى تنفيذ رخصة المصنع الصادرة وفق الأصول». وقد اكتفى بتأييد المقرر لجهة إرساء المسؤولية على أساس الخطأ والمخاطر، تاركاً أمر تحديد التعويض المناسب والعادل للهيئة الحاكمة، على أن يحدد كل نوع من الأضرار على حدة وفقاً للمسؤولية مع التكاليف والربح الفائت، في ضوء تقرير الجدوى الاقتصادية. ملاحظة أخيرة أضافها سرحال في ختام تقريره، وهي تتعلق باقتراح خفض الفائدة إلى معدل 3 في المئة بدلاً من 9 في المئة، من تاريخ صدور القرار القضائي.