لماذا قال الرّبّ يسوع لوالدته في ​عرس قانا​ الجليل: «مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ»؟(يوحنا٤:٢).

لقد أدركت ​العذراء​ مريم منذ اللحظة الأولى للبشارة أنّ الذي حملت به في أحشائها بالرّوح ​القدس​ هو إله، وأنّه تجسّد ليفدي البشريّة ويخلّصها.

كانت والدة الإله تتأمّل بكلّ الأحداث التي كانت تجري أمامها بصمتٍ وصلاةٍ وتسليمٍ إلهيٍّ كامل.

لنسير تباعًا:

لاحظت مريم أنّ الخمر قد نفذ، فاقتربت مِن يسوع وقالت له بكلّ ثقة: «لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ»(يوحنا ٣:٢). وعندما أجابها يسوع: «مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ»، توجّهت نحو الخدّام قائلةً «مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ»(يوحنا٥:٢).

هذا الحوار مرتبط مباشرةً بالخلاص.

أوّلًا، تؤكّد لنا مريم بإعلامها الرّبّ نفاذ الخمر، أنْ ليس من مخلّص إلّا الرّبّ ​يسوع المسيح​ وحده دون سواه، وهو وجهتنا في الصّعاب وملجأنا في الشدائد، وإلّا لماذا طرحت عليه المشكلة، فهل هو عنده أقبية خمر مثلًا؟ ألا يعني هذا إنّها على ثقة تامة بألوهيّته؟.

ثانيًا، ما قالته العذراء للخدّام هو رسالة لكلّ واحد منّا، أي أن نعمل بمشيئة الرّبّ وبكلّ ما يطلبه منّا دون أي تردّد ونثق بتدبيره.

ثالثًا، عبارة «مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ» لا يجوز فهمها إلّا بما قصده الرب عن ساعته أي ساعة الصلب والفداء. وهي لا تعني بتاتًا، لا سمح الله، أنْ لا شأن لكِ بي، بل تعني، أن بمجرّد حدوث آية تحويل الماء إلى خمر ستظهر ألوهيّة يسوع علانيّةً، وستبدأ مؤامرات كهنة ​اليهود​ ضده. وهذا فعلًا ما حدث.

وهذا دلالة، مِن جهة، على مدى عيش مريم لمشروع الفداء الذي سيتمّمه الرّبّ بصلبه وقيامته، ومِن جهة ثانية، على مدى تخلّي مريم عن كلّ تعلّق عاطفيّ بشريّ تجاه ابنها الوحيد يسوع، وعلى أنّها أمّ المؤمنين وتسهر على رعايتهم. وهنا يقول القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم: "والدة الإله كانت بشوق دائم للخلاص".

رابعًا، يذكر الإنجيليّ يوحنا في هذا الإنجيل: "هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ" (يو١١:٢). لنلاحظ، آمن به تلاميذه، وليس آمنت به العذراء. أننسى أن هي والدته وحبلت به مِن الروح القدس؟

هناك علاقة لاهوتيّة كبيرة بين الرّب ووالدة الإله، وهي ليست فقط علاقة أم مع ولدها، بل هي علاقة لاهوتيّة وعلاقة افخارستيّة إلى آبد الأبدين. فأثناء تحضير الكاهن الذبيحة في السحر، يرفع الجزء المثلّث الزوايا المخصص لوالدة الإله ويقول: "لإكرام وتذكار سيّدتنا المجيدة الفائقة البركات، والدة الإله الدائمة البتوليّة مريم، التي بشفاعتها يا ربّ اقبل هذه الذبيحة على مذبحك السماويّ.

فكما تحوّل ​المياه​ إلى خمر جديدة بشفاعة والدة الإله، نطلب أن يقبل الرب منّا هذه الذبيحة التي ستتحول بالروح القدس إلى جسد ودم الرّبّ الكريمين فنضحى خليقة جديدة.

خامسًا، كلمة "امرأة" ليست تحقيرًا، لا سمح الله، بل على العكس تمامًا تفخيم وتحقيق نبوءة.

-تفخيم، لأنّ الرّبّ يرى في العذراء مريم حواء ​الجديدة​ والمثال الذي يُحتذى به.

-تحقيق نبوءة، لأنّ منها تحقّقت النبوءة التي قيلت لحواء قديمًا: "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ» (تكوين ١٥:٣).

وقد فسّر بولس الرسول هذه الآية: "وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ: «وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ: «وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ."(غلاطية ١٦:٣).

"هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ"، أي أنّ المسيح سيحطّم مملكة الشيطان بقيامته، والحيّة "تَسْحَقُ عَقِبَهُ" تشير إلى الآلام والصلب.

إضافةً إلى ذلك، كلمة "امرأة" تربط الكتاب المقدّس مِن أولى صفحاته إلى آخرها، ابتداءً مِن حواء في العهد القديم، وهنا في عرس قانا الجليل، ولاحقًا على الصليب:"قَالَ يسوع لأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ»(يوحنا ٢٦:١٩-٢٧).

وتظهر في عرس قانا الجليل شفاعة والدة الإله بقوّة، خاصةً أنّها لم تطلب يومًا شيئًا لنفسها.

ختامًا، لا يجب أن يغيب عن بالنا أنّ مَن نتكلّم عنهما هما الرّبّ الإله المتجسد والمحب يسوع المسيح الفادي الذي أخلى ذاته لخلاصنا، ووالدة الإله التي نذرت نفسها بالكليّة للرّبّ جسدًا وروحًا، والتي قبلت بملء إرادتها أن يجوز في قلبها سيفٌ، والتي قالت: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ"(لوقا ٤٦:١-٤٩).

فكل حوار بين الرّبّ ووالدة يدخل في صلب التدبير الإلهيّ الخلاصيّ للبشر، وهو دون أيّ شكّ مفعم بالمحبّة والوقار والخلاص لنفوسنا.