أحد العنصرة هو اليوم الخمسون بعد أحد الفصح المجيد، ويدعى في اليونانيَّة Πεντηκοστή – Pentikostí من πέντε – Pénte، أي «خمسة»، وهكذا أتت التسمية Pentecôte – Pentecost. وكلمة العنصرة تأتي من اللغات الساميَّة القديمة وتعني جمع أشياء مع بعضها وضمَّها للخروج بنتيجة واحدة وهي تتلاقى في العمق مع الكلمة اليونانيَّة Συναγωγή - Synagogue الَّتي تتكوَّن منΣυν - syn، أي «معًا»، وفعل αγω - agō أي «يقود / يجمع / يسوق / يرشد»، وتلتقي أيضًا مع الكلمة اليونانيَّة Σύνοδος - Synodos الَّتي تعني «السير معًا» لكون كلمة οδος – odos تعني الطريق أو المسير. لهذا يمكن القول بأنَّ العنصرة هي اجتماع ومجمع للسير في طريق الرب.
اليوم الخمسون في العهد القديم هو اليوم الَّذي يأتي بعد سبعة أسابيع بعد الفصح اليهوديِّ، ويدعى عيد الأسابيع «Shavuot» بالعبريَّة. إنطلق من الحياة الزراعيَّة و يتزامن مع حصاد القمح بشكل خاصٍّ في نهاية الربيع، ومع تقديم «البواكير»، أوَّل الثمار، إلى الله. نلاحظ أنَّ عيد الأسابيع والحصاد والبواكير هو واحد كما أتى في سفر التثنية. هذا الارتباط الثلاثيُّ «الوقت وحصاد الزرع والتقدمة» أخذ معناه الكامل في المسيحيَّة عندما أرسل الربُّ يسوع المسيح الروح القدس على التلاميذ في اليوم الخمسين بعد القيامة. نذكر أنَّ عيد الأسابيع أصبح في حوالي القرن الميلاديِّ الثاني ذكرى نزول الوصايا على النبيِّ موسى، وذلك بعد تدمير الهيكل الثاني في العام 70م على يد الرومان، فأصبح كعيد التوراة.
لنبدأ بالوقت. بعد قيامة يسوع من بين الأموات سأله التلاميذ: «هل في هذا الوقت تردُّ المُلك إلى إسرائيل؟» (أعمال 1: 6). كان التلاميذ ما زالوا يفكِّرون بطريقة «ملكيَّة أرضيَّة» أمَّا يسوع فكان يتكلَّم عن ملكوت السماوات، وهذا معنى كلمة إسرائيل، أي الَّذي يجاهد مع الله ويتمسَّك به ويسير معه ويثبت فيه.
كلام يسوع يهدف إلى خطوة إلى الأعلى. وهنا تحديدًا تأتي الكلمة اليونانيَّة
«البيماβῆμα - Bēma». هذا ما تظهره وضعيَّة جلوس التلاميذ في أيقونة العنصرة، فالبيما في الأساس تعني «الخطوة» في التقدُّم، وأخذت معنى «المنصَّة»، وتوسَّعت في الكنيسة لتشمل المكان الَّذي يضمُّ الهيكل والمائدة المقدَّسة والمذبح المقدَّس ومكان جلوس الأسقف خلف المذبح في الوسط، والكهنة على الجانبين في مقاعد نصف دائريَّة. ويدعى مكان الجلوس في اليونانيَّة Σύνθρονον – Synothronon، أي «الجلوس معًا» على العرش لكون كلمةθρόνος - Thronos تعني العرش، فنشاهد وحدة الكنيسة حول الأسقف الَّذي يمثِّل الراعي الإلهيَّ. هذا مجمع مقدَّس وصورة استباقيَّة لما قاله الربُّ.
وكان Synothronon في البداية في حنية الهيكل، ويتخلَّله ارتفاع تدريجيٌّ للمقاعد مثل المدرج. وقد شكَّل قبل المسيحيَّة منصَّة مرتفعة ككرسيِّ قضاء أو محكمة، ومكانَ خطاب عامًّا ومنبرًا، آخذًا شكلًا نصف دائريٍّ عمومًا.
والحنية تُعبّر عن احتضان السماء للأرض أي الرعاية الإلهيّة للبشريّة والسماء منفتحة فوق المائدة، لذلك نشاهد فيها أيقونة والدة الإله وهي تحمل يسوع. وشكلّها المقوّس يشير إلى الانفتاح على الملكوت السماوي واتحاد السماء بالأرض. فالهيكل يكون نحو الشرق ويدخل نور الشمس من خلال الحنية إشارة إلى نور الرب ويسطع على المائدة في الوسط حيث الحضور الإفخارستي.
في ما يخصُّ حصاد الزرع، فالربُّ هو الزارع، ومَن نبت فيه زرع الربِّ كان حصاده مثمرًا. وأجمل تقدمة هي النفس التائبة والقائمة مع المسيح. لهذا قال الربُّ للتلاميذ بأنَّهم سينالون الروح القدس ليمتلئوا منه ويكونوا له شهودًا في المسكونة جمعاء.
إذًا، إذا جمعنا كلَّ المعاني الَّتي ذُكرت، ندرك أنَّ الربَّ يجلس مع التلاميذ على العرش الملوكيّ. هو المعلِّم ورئيس الكنيسة والتلاميذ يكرزون باسمه. وهذا هو دور الأسقف والكهنة في الكنيسة، أن يكونوا تلاميذ حقيقيِّين للربِّ وينقلوا الإنجيل الَّذي يعيشونه إلى العالم بأسره Cosmos الممثَّل في الأيقونة بالملك في الكهف – المغارة حاملًا قماشة عليها 12 رسالة، على عدد التلاميذ، وخلفه الظلام إشارة إلى العالم الساقط الَّذي كان ينتظر نور المسيح.
المفارقة في أيقونة العنصرة، كما في الصعود، وجود بولس الرسول الَّذي لم يكن قد أصبح مسيحيًّا بعد، بل شاول المضطهد. ولكنْ بمجرَّد اعترافه بالمسيح دخل المشروع الإلهيَّ الخلاصيَّ. ووجوده تأكيد لأهمِّيَّة رسوليَّته للأمم.
الربُّ دخل في التاريخ والزمان ومشى مع الإنسان خطوة وراء خطوة. ونحن نستلم الروح القدس، ومدعوُّون إلى أن نصبح هيكلًا له لننطلق في خطوات ثابتة حاملين البشارة السارَّة. فنحن مداميك حيَّة في عمارة المسيح الأبديَّة «جماعة ممتلئة بالروح القدس وتتحرَّك بقوَّته». فقد بدأت الكنيسة في أورشليم لتصبح «أورشليم الجديدة» الممتدَّة إلى العالم.
المكان الوسطيُّ في الأيقونة شاغر لأنَّه مكان يسوع رئيس الكنيسة.
في الخلاصة، تمَّت العنصرة في العلِّيَّة حيث أتمَّ المسيح العشاء السرِّيَّ مع التلاميذ، ويدعونا إلى مائدته الأبديَّة «معًا بنفس واحدة»، بالنعمة الإلهيَّة، خلاف الَّذين تفرَّقوا بالخطيئة في بابل، لأنَّ روح الربِّ يجمع ولا يفرِّق. هكذا تكون الكنيسة «كنيسة».
إلى الربِّ نطلب.