كانت كل محاولات الحل لقضية ​قبرشمون​ تتساقط واحدة تلو الأخرى، بسبب الشروط المتبادلة التي رفعها الفريقان: الحزب "التقدمي الإشتراكي" والحزب "الديمقراطي اللبناني". مرّت أسابيع خمسة، من دون ان تلوح بوادر الإتفاق، رغم الحلول الوسطيّة المقبولة وطنياً، التي طرحها رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​، ومساعي الحل التي حرّكت المدير العام للأمن العام ​اللواء عباس إبراهيم​ في لقاءات وطرح أفكار.
فجأة أطل بيان أميركي صادر عن السفارة في عوكر، ليتبين أن مصدره واشنطن، وباللغتين الإنكليزية والعربية لعدم السماح بالتفسير الخاطئ والتأويل المفتوح بكل الإتجاهات. لكن سياسيين لبنانيين مقرّبين من الولايات المتحدة الأميركية يقولون "إن البيان لم يكن وحيدا في حث واشنطن القوى اللبنانية على ضرورة الحل السريع لقضية قبرشمون من دون كسر رئيس التقدمي ​وليد جنبلاط​، بل تزامن معه إتصال من مساعد وزير الخارجية الاميركية للشؤون السياسية ​ديفيد هيل​، بوزير الخارجية اللبنانية ​جبران باسيل​، كان عالي اللهجة، وتضمّن أكثر من عتاب، إلى حدّ رمي مسؤولية عدم حل قضية قبرشمون على باسيل، والقول ان وزير الخارجية يسعى لكسر جنبلاط في الجبل". ويضيف المطّلعون على الموقف الأميركي أنفسهم كلاماً عن "أن هيل هو الذي صاغ بيان السفارة الأميركية".
يروي هؤلاء المطّلعون ان سبب التدخل الأميركي ليس الإنتصار لجنبلاط، بل هو نتيجة وصول الوضع اللبناني الى حافة الإنهيار السياسي، "وهو ما لا تسمح به واشنطن"، لذلك تأتي دعوة رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ لزيارة الولايات المتحدة الأميركية لإعلان دعم واشنطن لخطوات تثبيت إستقرار لبنان سياسياً ومالياً وأمنياً". غير ان المطّلعين أنفسهم لا يستطيعون جزم ما هو المطلوب من الحريري عندها، "لأن التفاوض مطروح على الساحة الإقليمية والدولية، وتحديدا بين الأميركيين والإيرانيين، رغم كل الأجواء التصعيدية المتبادلة". ومن هنا يعتبر هؤلاء أن الدول الخليجية ستسعى الى الوصول لتسويات مع طهران، بدأتها الإمارات العربية، وستتبعها دول عربية أخرى، علما ان ذلك لا ينفي بقاء خطوات التصعيد قائمة، كما حال مشروع القوة البحرية التي تضم واشنطن تل ابيب اليها.
ما هو موقع لبنان؟ يرى هؤلاء السياسيون المقرّبون من واشنطن أن كل ما جرى يثبت ان الولايات المتحدة لن تتخلى عن لبنان، الذي يحوي الغاز والنفط، ولا عن موقعه الإستراتيجي على البحر الابيض المتوسط، خصوصا ان تراجع الأميركيين "يعني قلق الإسرائيليين من المقاومة القوية"، في زمن تحضير الإتفاق الامني المشترك بين واشنطن وتل أبيب، والسباق الاقتصادي الدولي القائم بين الصين والولايات المتحدة الأميركية.
ولذلك، يعتبر حلفاء واشنطن في لبنان أن حظوظ باسيل في الوصول الى رئاسة الجمهورية بعد ثلاث سنوات قد تراجعت كثيرا، في وقت يجري الحديث في أروقة داخل مؤسسات سياسية في الولايات المتحدة عن عقوبات قد تُفرض عليه". قد يكون في الامر تهويل لدفع باسيل الى الإرتماء في حضن الأميركيين او إبعاد الحريري عنه، لكن هؤلاء يستندون الى واقعة زيارة وزير الخارجية اللبنانية الاخيرة الى الولايات المتحدة حيث لم يجتمع مع اي مسؤول وازن في الخارجية الأميركية، بينما خصصت واشنطن اجتماعات مهمة لقائد الجيش اللبناني ​العماد جوزاف عون​. لا يعني ذلك ان امر الرئاسة حُسم، لأن قرار الأميركيين ليس قدراً، في وقت تُبقي واشنطن خطوط التواصل قائمة مع رئيس تيار "المردة" ​سليمان فرنجية​ التي زارته السفيرة الأميركية ​اليزابيت ريتشارد​ منذ ايام في إهدن.
لا يزال الحديث عن الرئاسة اللبنانية سابقا لأوانه، بينما خطوة التدخل الاميركية لحل قضية قبرشمون تؤكد ان هذا ما ارادته واشنطن لعدم الإخلال بالتوازن القائم في لبنان، مع ترسيخ مبدأ العدالة التي يطالب بها رئيس "الديمقراطي" النائب ​طلال ارسلان​ بمحاكمة المتهمين بالحادثة قضائياً.