"حَيْث تَكْثر المحبَّة، تحلُّ العَدالة"، لأَنَّ المحبَّة هي الدَّافع الأوَّل والأَقْوى لرَفْع القيمة الإِنْسانيَّة وانْتِشالها من بُؤْسها على كلِّ المُسْتويات... ففي الإِحْسان مَثَلاً، أَنْت تُعْطي ممَّا عندك، وأَمَّا في المُشارَكة فأَنْت تُعْطي ذاتك، وتِلْك قمَّة العَدْل وذُرْوة المحبَّة!.
كما وأَنَّ العَدْل يَقْضي بِمُحاسَبة مُجْرمٍ أو فاسِدٍ أو مُتمرِّدٍ على القانون، وهذا حقٌّ. وأمَّا ارْتِباط العَدْل بالمحبَّة، فهو يَتجلَّى في المُحافَظَة على الكَرامة الإنسانيَّة،على رُغْم كلِّ ما يَصْدر عَنْها من أَخْطاءٍ، وهذا ما يَأْمل في تَحْقيقه رَئيس الجُمْهوريّة العماد ​ميشال عون​، من خِلال إِصْراره على اعتبار مُكافحة ​الفساد​، لا تَتعارَض مع كَرامة الإِنسان، على أَن تُجْرى أَيْضًا بعيدًا من التَّشفِّي السِّياسيِّ. والعَدْل مِن دونِ محبَّة، قد يَتحوَّل قوَّةً مُسَيْطرةً تَسْتغلُّ المَبْدأ لاحْتِقار الكَرامة الإِنْسانيَّة.
والمحبَّة أَساس العَدْل، فعَدْلٌ بلا محبَّة قد يَجْنح إِلى الظُّلْم، ومحبَّة بلا عدلٍ، اسْتِهتارٌ ولامُبالاةٌ وغضٌّ للنَّظر عن الخَطأِ وعدم السَّعي إِلى تَصْويبه.

مَفْهومُ العَدالة وأَنْواعُها


العَدالةهي العَمل وَفْقًا لمُتطلِّبات القانون، وهي بالتَّالي مَفْهومٌ واسعٌ تُنادي به كلُّ الشُّعوب، وتطمح إلى تحقيقهنظراً إِلى أَهميَّة العَدالة في خَلْق نَوْعٍ من المُساواة بين مُخْتلف أَبْناء الشَّعب الواحد. وأمَّا المَفْهوم العامُّ للعَدالة، فهو تصوُّرٌ إنسانيٌّ يُركِّز على التَّوازن بين كلِّ أَفْراد المُجْتمع من حَيْث الحُقوق. وتَحْكُم هذا التَّصوُّر أَنْظمةٌ وقَوانين تَتعاون في وَضْعها مَجْموعة أَشْخاصٍ بحريَّةٍ، ومن دون أَيِّ تَحكُّم أَو تَدخُّل...

وتَكْمُن أَهميَّة العَدالة في تَحْقيق المُساواة بين أَفْراد المُجْتمع، بغضِّ النَّظر عن مَراكزهم أَو جِنْسهم أَو دينهم، ما يُحقِّق الأَمْن والأَمان للجَميع. وأَمَّا أَنْواع العَدالة فَهي:
*العَدالة السِّياسيَّة: الحقّ في التَّرشُّح والعمل السِّياسيِّ...
*العَدالة الاجْتِماعيَّة: الحاجات الطُّبيَّة والإِنْسانيَّة وفرص الحُصول على العَمل...
*العَدالة القَضائيَّة: المُحاكَمة العادِلة...
*العَدالة الاقْتِصاديَّة: التَّوْزيع العادِل للثَّرْوات، نِظام اقْتِصاديّ مُرْتَكز إِلى العَدْل في العَمل والحُقوق، مُسْتلزمات المَعيشيَّة من دون تَمْييز...

رُؤْية بول ريكور


في العام 2013 جُمِعَت للفَيْلسوف الفَرنسيِّ بول ريكور ثلاث مُحاضَراتٍ مُتَفرِّقة تحت اسْم "الحُبّ والعَدالة" -وهو عُنْوانٌ لإِحْداها- كان ريكور أَلْقاها في مَحافلَ أَكاديميَّةٍ، وقد حقَّق النَّاشر الفرنسيُّ "شليغل" له هذه الأُمْنية.
وفي هذه المُحاضَرات، يُحاول ريكور اخْتِلاق صِيَغٍ حياديَّةٍ لفَهْم مَسائِل الإِنْسان وأَخْلاقيَّاته في مَوْضوعاتٍ كالحُبِّ والتَّعبيرات وشهادة الضَّمير، من خِلال نِتاج الفَلْسفة الغَرْبية، وتُراث اللاهوت اليَهوديِّ والمَسيحيِّ، بافْتِراض عددٍ كبيرٍ من التَّأْويلات والاسْتِشْهادات المُتقطِّعة لفضِّ أَزماتٍ لم تُحْسم حتَّى الآن في أُوروبا كما في بقيَّة ​العالم​ الغَرْبيِّ.
ومَن يَقْرأ أَجْزاء المُحاضرات وفُصول الكِتاب، مُتجاوزًا الآراء المُتواضِعة... يُدْرِك مَدى "الواقِع المَرير للأَوْساط الفِكْريَّة والعلميَّة الغَرْبيَّة، حينما تَشْتغل في حلِّ مَسائل الإِنْسان الكُبْرى، كالـ"مَسائِل العقديَّة" ودَرجات الإِيْمان وسُلوكيَّات مُعْتنقيها، بحَيْث أَنَّها تقف عاجِزةً عن تَحْديد أُصولِها الأَساسيَّة، على رغم دَأْبها المُتَواصِل، لإِيْجاد سُلَّمٍ مَنْطقيٍّ لا يتهدَّم مع وَطْأَة الحَقيقة المُجرَّدة.

كما ويُحاول ريكور أَنْ يَسْتَوْلد مُعادلة من رَحْم المَنْطق، تَحْتوي الطَّبيعة الإِنْسانيَّة، بنحوٍ لا يَخْسر المَرْء فيه قِيَم الحُبِّ، ولا يَتنازل عن حِسابات العَدالة. وقد انْشَغل ريكور بسُؤَالٍ عن التَّباين بين قِيَم الحُبِّ وحِسابات العَدالة، وقِراءة عَوارض غير مُتَكافِئَة في تَحْديد الفَوارق وسَرْد ما يَراه حلاًّ ناجعًا، ما دَفعه إِلى أَن يَجْعل من الحُبِّ ندًّا للعَدالة والعَكْس. وشدَّد ريكور على عدم السُّقوط في "النَّزعة العاطفيَّة" لما يراه شُذوذًا بلُغة الحُبِّ.

التَّجْربة البَحْرينيَّة


وفي ​البحرين​ تَخوض "جَمْعيَّة شُعْلة المحبَّة والسَّلام"، تَجْربة التَّعاون مع المُؤسَّسات المَدنيَّة لنَشْر المحبَّة والسَّلام والتَّعاون بين الدُّوَل على مَبادئ العَدالة الاجْتِماعيَّة واحْتِرام حُقوق الآخَرين. كما وتُشدِّد الجمعيَّة على "أَهميَّة أَنْ يَعيش المُواطِنون والمُقيمون في مَمْلكة البَحْرَيْن في وئامٍ ومحبَّةٍ وسَلامٍ"...
رزق الله الحلو