الحملة على الليرة ليست بجديدة، لكنّها أخذت خلال السنتين الأخيرتين طابعًا تصاعديًا خطيرًا، في ظلّ كمّ هائل من الإشاعات والأقاويل والتحاليل المَغلوطة التي تتحدّث كلّها عن إحتمال إنهيار قيمة العملة الوطنيّة، وحتى عن إفلاس الدولة اللبنانيّة وعجزها عن دفع رواتب موظّفيها وعن سداد مُستحقّات الديون الدَوليّة عليها، الأمر الذي أدخل القلق إلى نُفوس اللبنانيّين جميعهم، وأثار بلبلة كبيرة في صُفوف المُودعين الذين تهافت عدد كبير منهم إلى المصارف حيث قاموا بتحويل مُدخّراتهم من الليرة اللبنانيّة إلى ال​دولار​ الأميركي، في حين بلغ الخوف بالبعض حدّ سحب أمواله من المصارف وتخزينها داخل المنازل! وقبيل صُدور التصنيف الإئتماني للبنان من قبل وكالات عالميّة مُتخصّصة(1)، تمّ ضخّ موجة جديدة من الإشاعات السلبيّة، الأمر الذي تسبّب بمزيد من الضُغوط على الليرة، وبالتالي على ​المصرف المركزي​. فهل فعلاً يتجه لبنان نحو الإفلاس–كما يُشيع البعض، وهل فعلاً ستفقد الليرة قيمتها؟!.
للإجابة بشكل موضوعي ومُتجرّد من أيّ أفكار مُسبقة وأي آراء شخصيّة، يجب اللجوء إلى الأرقام وعدم التأثر بالأقاويل والإشاعات الكثيرة المُنتشرة في لبنان حاليًا. فالبعض يرغب بإظهار أنّ العهد الرئاسي غير ناجح، والبعض الآخر يرغب بالتصويب على ​سياسة​ ماليّة فاشلة مُعتمدة في لبنان منذ العام 1992. وهناك من يرغب بالنيل من حاكم ​مصرف لبنان​ ​رياض سلامة​ شخصيًا، وحتى من يرغب بالظهور بمظهر المُحلّل الضليع في الشؤون الإقتصاديّة والماليّة عبر إعتماد تحاليل تزرع الخوف ويحفظها الرأي العام–حتى لو كانت غير صحيحة! لكن وبعيدًا عن كل هذه الأجواء غير الصحّية، من الضروري مُعالجة الملفّ بشكل مَوضوعي وعلمي. وفي هذا السياق، يمكن الإستناد إلى سلسلة من الحقائق الثابتة:
أوّلاً: بحسب بيانات وزارة الماليّة، بلغ حجم ​الدين العام​ اللبناني، نحو 85 مليار دولار أميركي، وهذا رقم ضخم نسبة إلى حجم لبنان الإقتصادي، مع العلم أنّ خدمة الدين العام، أيّ قيمة الفوائد التي يتمّ دفعها للجهات المَدينة، تبلغ نحو 3 مليارات دولار أميركي سنويًا. لكن من الضروري الإشارة إلى أنّ دين الدولة اللبنانيّة يُصنّف في خانة الديون العامة المُستقرّة على الرغم من إرتفاعه إلى مُستويات قياسيّة، مُقارنة بحجم ​الإقتصاد اللبناني​ وبالناتج القومي العام. ومردّ هذا الأمر يعود إلى أنّ مصدر الجزء الأكبر من الدين العام يعود إلى المصارف اللبنانيّة وإلى المصرف المركزي، إضافة إلى مُستثمرين لبنانيّين، الأمر الذي يُقلّل من المخاطر التي تنجم عادة من ضُغوط مصادر التمويل الخارجيّة.
ثانيًا: صحيح أنّ الأزمات السياسيّة التي عانى منها لبنان خلال السنوات القليلة الماضية، مَعطوفة على السقطات والإشاعات الإقتصاديّة والماليّة، تسبّبت بإستنزاف جزء كبير من الإحتياط المالي للمصرف المركزي، لكنّ الأصحّ أنّ القُدرات الماليّة لهذا المصرف لا تزال مُهمّة حتى اليوم، حيث أنّ المصرف المركزي يملك كلاً من القُدرة والسيولة والنيّة، على الإستمرار في تثبيت سعر الليرة في مُقابل الدُولار، وعلى الإستمرار في سداد مُستحقّات لبنان الماليّة في مواعيدها، وكذلك على الإستمرار في الحفاظ على الإستقرار النقدي العام في حال مُواجهة أيّ ضُغوط جديدة. وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ إحتياطي المصرف المركزي من العملات الأجنبيّة يبلغ حاليًا نحو 36 مليار دولار أميركي، يُضاف إليه قيمة إحتياطي الذهب، حيث يحتلّ لبنان المركز الثاني عربيًا بعد المملكة العربيّة السُعودية في حجم أطنان الذهب التي يملكها والتي تبلغ 286 طُنًا، علمًا أنّ هذه الكمية تضعه في المرتبة رقم 19 عالميًا، مع قيمة إجماليّة تبلغ-في حال تسييل الذهب، نحو 12 مليار دولار أميركي. وعلى الرغم من أن لا نيّة للبنان على الإطلاق لتسييل الذهب، فإنّ وجود هذه الكميّات كفيل وحده بدحض إشاعات إحتمال إعلان لبنان إفلاسه، لأنّه لا يُمكن لأيّ دولة أن تعلن إفلاسها وعجزها عن سداد دُيونها، وهي في الوقت نفسه تملك مَخزونًا كبيرًا من السُيولة النقديّة، وأطنانًا من الذهب القابل للبيع! وبالتالي، حتى لوّ إستمرّ العجز في ميزان المَدفوعات، وحتى لوّ إستمرّ لبنان في سياسة إقتصاديّة غير سليمة، فإنّ المصرف المركزي قادر من جهته على القيام بالدور الذي لعبه منذ تطبيقه ما يُعرف بإسم "الهندسات الماليّة" القاضية بتثبيت سعر صرف الليرة، وذلك لفترة زمنيّة طويلة تُحسب بالسنوات!.
ثالثًا: صحيح أنّ رفع قيمة الفوائد المصرفيّة على ودائع اللبنانيّين أثّر سلبًا على الدورة الإستثماريّة التحفيزيّة وعلى الحركة الإقتصاديّة الروتينيّة، لكنّه أسفر في المُقابل عن إرتفاع حجم ما يُسمّى "الدَولرة"، أي الودائع بالدولار إلى ما نسبته 71,5 % من إجمالي كل الودائع، وهي أعلى نسبة منذ 10 سنوات حتى اليوم. وهذا الأمر يعني في المفهوم الإقتصادي، عدم قُدرة المُودعين بالليرة اللبنانيّة على قلب مَوازين قيمة صرف العملة حاليًا، حتى لو قاموا-لسبب من الأسباب، بالتوجّه إلى المَصارف وبتحويل أموالهم بشكل مُفاجئ إلى الدولار، علمًا أنّ "الهندسة الماليّة" المُعتمدة من قبل المصرف المركزي منذ نحو ثلاثة عُقود، لا تسمح أساسًا بحُصول هذا الأمر، وهي قادرة على إمتصاص أيّ فورة نقديّة–بسبب مُطلق أيّ حادث أمني أو تطوّر سياسي طارئ، حتى تقلّصها تدريجًا وإمتصاصها كليًا.
في الختام، الوضع الإقتصادي اللبناني ليس سليمًا، والسياسة الإقتصاديّة والماليّة والإستثماريّة بحاجة للكثير من العمل لإستعادة التوازن. لكنّ في الوقت عينه، كل حديث عن قرب إنهيار قيمة الليرة، أو عن عجز في سداد الدين العام، أو عن إحتمال إعلان لبنان إفلاسه، إلخ. يصبّ في خانة الإشاعات المُغرضة والحملات المَشبوهة التي تدحضها الوقائع والأرقام–أقلّه لسنوات عدّة آتية. وبعد ذلك لكل حادث حديث!.

(1) وكالة Standard & Poor’s التي حافظت على التصنيف الإئتماني للبنان عند حُدود (B-)، ووكالة Fitch التي خفّضت التصنيف إلى درجة (CCC)، علمًا أنّ وكالة التصنيف العالمية الثالثة المَرموقة، أي Moody’s أرجأت تصنيفها إلى موعد لاحق.