اختباراتٌ بالجملة يخضع لها ​لبنان​ منذ فترةٍ غير قصيرة، على أكثر من خط ومستوى، بدءاً من السياسة واستراتيجيّاتها، وصولاً إلى الاقتصاد والأمن، مروراً بملفّاتٍ شائكةٍ على غرار قضايا اللجوء و​النزوح​، ومكافحة الهدر والفساد، والإرهاب والتصدّي له، وغيرها.
وفي كلّ هذه الاختبارات، قاسمٌ مشتركٌ يكاد يكون واحداً، ويتمثّل بـ "العين" الدولية والإقليمية المسلَّطة على لبنان، "عينٌ" يبدو أنّها لا تزال متموضعة في موقع "المراقبة"، ولو كان البعض يتحدّث عن "مزايا" يحصل عليها لبنان نتيجتها، وفي طليعتها ​الوضع الأمني​ الهادئ نسبياً، والذي يكاد يكون الأفضل في المحيط.
ورغم الوعود الكثيرة التي يراهن عليها لبنان، فإنّها كلّها لا تزال "مجمّدة" بانتظار تجاوزه الاختبارات. خير دليلٍ على ذلك أنّ خزنة مؤتمر "سيدر" لا تزال مقفلة بإحكام، وأنّ باريس أبلغت رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ صراحةً بأنّها لن تُفتَح قبل التزام لبنان بإصلاحاته. أما الوعود السعوديّة الأخيرة، فيخشى كثيرون أن تلاقي مصير الهبة الشهيرة، في ظلّ ألغام "النأي بالنفس" الواضحة...

الإصلاح أولاً!


كان رئيس الحكومة يمنّي النفس أن يعود من زيارته الأخيرة إلى فرنسا بـ "انتصارٍ" اقتصادي هائل يمكن توظيفه بالسياسة، قوامه الإفراج عن القروض الميسّرة التي حصل عليها لبنان في مؤتمر "سيدر" الذي عقد في باريس وخصّص للنهوض الاقتصادي بلبنان، والتي تمّ رهنها بالتزام لبنان بالإصلاح.
ومع أنّ موفداً فرنسياً مكلّفاً متابعة مقرّرات مؤتمر "سيدر" هو بيار دوكان لم ينقطع عن زيارة لبنان خلال الفترة الأخيرة، وبالتالي كان يوصل لحكومته كلّ التفاصيل المتعلقة بالملف، إلا أنّ الحريري كان يراهن على إقناع كبار المسؤولين الفرنسيين، وفي مقدّمهم الرئيس ​إيمانويل ماكرون​، بموقف حكومته، وتحصيل "ليونةٍ" ما في مواجهة "التصلّب" الذي تتّسم به تحذيرات دوكان الدوريّة.
انتهت زيارة الحريري، من دون أن يحقّق غرضه، وفقاً لكلّ التسريبات المتداولة، ومن دون أن ينجح حتى في ضرب موعدٍ للزيارة الموعودة للرئيس ماكرون إلى بيروت، والتي لا تزال تخضع للتأجيل تلو التأجيل منذ مطلع العام، بل إنّ كلّ ما توافر من معلومات، أوحى بأنّ الزيارة كما الوعود لا تزال "معلَّقة"، بعدما قال الفرنسيّون صراحةً للحريري، إنّ فرنسا تقف إلى جانب لبنان، ومستعدّة لمساعدته مالياً واقتصادياً لتجاوز أزمته، إلا أنّ لا مال ولا استثمارات، قبل التزام لبنان بحصّته من الوعود، والبدء بالإصلاحات الحقيقية.
وإذا كانت المواقف الفرنسية دلّت على شيء، فعلى أنّ أسلوب "التحايل" الذي اعتمده لبنان في مقاربة الإصلاحات على امتداد العام الماضي لم تحقّق هدفها، وأنّ الموازنة التي أعطيت عنوان "التقشّف" في الظاهر، قبل أن تفرغ من مضمونها لجهة التطبيق، لم تكن كافية، وهو ما سيفرض مقاربة جديدة في مناقشة موازنة 2020، والتي انطلقت في مجلس الوزراء، أقلّه حتى يقتنع الفرنسيون ونظراؤهم في المجتمع الدولي بأنّ شيئاً ما في "الروحيّة" تغيّر، وهو ما سيستتبع تغييراً في السلوك بطبيعة الحال.

السياسة حاضرة...


قد لا تكون زيارة الحريري إلى باريس "فاشلة" بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنّها بالحدّ الأدنى لم تنجح في "تسريع" وتيرة تنفيذ مقرّرات مؤتمر "سيدر"، ولو تحت ضغط الواقع الاقتصادي اللبناني الدقيق، والصعوبات التي يواجهها، والتي تتفاقم يوماً تلو الآخر، وآخر تجلياتها أزمة سعر صرف الدولار التي بدأت تنعكس على أكثر من قطاع حيوي وأساسي.
إلا أنّ الحديث عن "إصلاحات" لا يبدو وحده ما يقف في وجه إطلاق يد "المساعدات" للبنان، وهو ما بدأ العديد من الدبلوماسيّين يتحدّثون عنه صراحةً في أكثر من موقع. وبحسب هؤلاء، فإنّ وجهة لبنان "الاستراتيجية" تلعب دوراً أساسياً على هذا الصعيد، وثمّة من يترقّب حذر موقف لبنان في حال اندلاع أيّ مواجهةٍ إقليميّةٍ جديدة، بدأت طبولها تُقرَع بشكلٍ قويّ، خصوصاً في ضوء انقسامه على نفسه، بين معسكرٍ لا يتردّد في إعلان استعداده للانخراط العسكري إلى جانب إيران، ومعسكرٍ يصرّ على عدم الخروج على الإجماع العربي، والتضامن مع الدول الصديقة والشقيقة.
وإذا كان كثيرون يربطون من هذا المنحى، بين الإعلان عن المساعدة المالية الجديدة للبنان من جانب المملكة العربية ​السعودية​، بعد سنواتٍ ممّا اعتُبِر "تخلياً" في مكانٍ ما عنه، والتطورات التي تشهدها المنطقة، على وقع الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت شركة "أرامكو" السعودية، والتي تمّ تحميل إيران المسؤولية عنها، فإنّ "ضغوطاً" يتعرّض لها لبنان من جانب الولايات المتحدة أيضاً، عبر توسيع العقوبات على العديد من الأفراد والكيانات المرتبطة بـ"​حزب الله​"، والتلويح بعقوباتٍ على شخصيّاتٍ سياسيّةٍ وازنةٍ من القوى الحليفة للحزب، ولكن من خارج بيئته الحاضنة طائفياً ومذهبياً.
وفي حين تستمرّ واشنطن في إرسال الموفَدين إلى لبنان بين الفينة والأخرى، في إطار سياسة "المراقبة" هذه، وآخرهم مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال مارشال بيللينغسلي، والذي بدا أنّ زيارته جاءت لـ "التثبّت" من الإجراءات المُعلَنة حول تصفية مصرف "جمّال ترست بنك"، تشير كلّ المعطيات إلى أنّ لدى واشنطن تحفّظاتها على أداء الحكومة اللبنانية التي تبدو في مكانٍ ما "خاضعة" للحزب، الذي يتمدّد نفوذه أكثر فأكثر داخلها وخارجها، وعلى أكثر من مستوى.

نظرية المؤامرة؟!


لا مال قبل الإصلاحات. قالها الفرنسيّون صراحةً للحريري.
قد يعتبر البعض، خصوصاً من المروّجين لـ"نظرية المؤامرة"، بأنّ الأمر أبعد من الإصلاحات، وأنّه متعلّق بالموقف السياسيّ، في ظلّ امتعاض الغرب من تمدّد نفوذ "حزب الله"، وتصرّفه وكأنّه "صاحب القرار" في لبنان، في حربه وسلمه، كما في قراراته الاستراتيجية.
لكن، حتى لو صحّت هذه الفرضيّة، فإنّ الأكيد أنّ على اللبنانيين الذين يشكون يومياً تهالك اقتصادهم، وتفاقم منظومة فسادهم، أن يعيدوا بمعزلٍ عن كلّ ذلك، تموضعهم سريعاً، ليس إلى جانب محور ضدّ آخر، بل إلى جانب أنفسهم أولاً وأخيراً، وهو ما يفرض عليهم مقاربة جديدة ومختلفة، مقاربة قوامها الإصلاح ثمّ الإصلاح ثمّ الإصلاح، ومهما كان الثمن...