بدا مشهد ​مدينة صيدا​ الاحتجاجي على تردي الاوضاع المعيشية والاقتصادية، لا يختلف كثيرا عن عن باقي المدن اللبنانية لجهة الاحتقان الشعبي، نزول المحتجين الى مختلف الشوارع والطرقات والساحات وتنظيم اعتصام مفتوح عند تقاطع ايليا، قطع الطرقات بالاطارات المشتعلة حينا وبـ"المكعبات الاسمنتية" او "حاويات النفايات" او "العوائق الحديدية" حينا آخر، وصولا الى المطالبة بمحاسبة المسؤولين الفاسدين وعدم فرض ضرائب جديدة وغيرها.

ولكن ما يميز حراك المدينة أمران:
-الاول ميدانيا، الحفاظ على سلميته وحضاريته الى اقصى حد، حيث لم يحصل "ضربة كف" أو أي "احتكاك" مع الجيش اللبناني، الذي إتخذ إجراءات أمنية للحفاظ على الأمن والهدوء وسط حرص سياسي وشعبي على منع أيّ تعدّ على الأملاك العامة أو الخاصة، وحصر الاحتجاج عند تقاطع "ايليا" لما له من دلالة اذ يعتبر "الشريان الرئيسي" للعبور بين أطراف المدينة الداخلية، وللوصول الى الجنوب والى وقرى شرق صيدا وجزين، ناهيك عن تجميع الحشود الشعبية دون تشتيتها في مناطق متعددة، بعدما إفترش "المحتجون" الارض بأجسادهم، نصبوا الخيام على مسربي الطريق، غالبيتهم نزلوا للمشاركة باندفاع شخصي بعدما وصلت القضية الى لقمة العيش، او عبر دعوات وجهت من ناشطين عبر "مواقع التواصل الاجتماعي" ووسائل الاعلام اللبنانية التي لعب دورا بارزا في التحفيز والتحريض على المشاركة، ورفع الاعلام اللبنانية على وقع الاغاني الوطنية.

-الثاني السياسي، حيث تعتبر صيدا عاصمة الجنوب وبوابتها ولها دلالة إضافية في المعادلة اللبنانية، اذ توصف المدينة بأنها موئلا لرئيس الحكومة سعد الحريري، ومعقلا رئيسيا لتيار "المستقبل" الذي احكم قبضته عليها بلديا (رئيس بلدية صيدا محمد السعودي المدعوم منه منذ العام 2010) ونيابيا (رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة والنائب بهية الحريري منذ العام 2009)، قبل ان يعود ويتراجع في الانتخابات النيابية الماضية في العام 2018، حيث توزع المقعدين على بهيّة الحريري واسامة سعد) وفق القانون الانتخابي الجديد الذي جعل من صيدا وجزين دائرة واحدة، فتغيرت التحالفات، خاضها "المستقبل" وحيدا، وتحالف الدكتور عبد الرحمن البزري مع الجماعة الاسلامية (الدكتور بسام حمود)، وخاض سعد المعركة مع النائب ابراهيم عازار مدعومين من تحالف حركة "أمل" و"حزب الله".
اليوم، مع حركة الاحتجاج بدأ خلط الاوراق وتمهيد الطريق لنسج "تحالفات" جديدة قد تستمر او تبقى موقّتة لتمرير المرحلة الراهنة.
بدا "المستقبل" وحيدا وربما في وضع "حرج" ولا يحسد عليه، التزم مسؤولوه الصمت، غابوا عن المشهد اليومي حضورا او تعليقا، فيما تلاقى "التنظيم الشعبي الناصري" و"الجماعة الاسلامية" والدكتور عبد الرحمن البزري ورئيس "الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة" الشيخ ماهر حمود على دعم الحراك الاحتجاجي، على محورين: أولا عقد اجتماعات ثنائية لتدارس الاوضاع السياسية والأمنية على ضوء الحراك الشعبي في كل المناطق اللبنانية، واهمية المحافظة على خصوصية صيدا باعتبارها عاصمة الجنوب وبوابته، وثانيا: بزيارات ميدانية الى "الاعتصام المفتوح" ولقاء المحتجين، (سعد والبزري والدكتور بسام حمود)، خلافا لكل احتجاجات المناطق التي لم تقبل او تستوعب مشاركة أيّ نائب او سياسي، معتبرين أن ما يحدث في صيدا يُعبّر عن أصالة وطنيّة تتمتع بها المدينة، وهي نموذج لكل اللبنانيين في ديمقراطية وسلمية التحركات.
وعلمت "النشرة" ان الشيخ حمود أجرى عدة اتصالات تشاوريّة للبحث عن مخرج للأزمة، شملت النوّاب بهية الحريري، العميد شامل روكز، عبد الرحيم مراد، اللواء جميل السيد، مستشارة رئيس الجمهورية كلودين عون روكز وعضو المجلس السياسي في "حزب الله" الشيخ عبد المجيد عمار، وسط تأكيد صيداوي على استبعاد ايّ احتكاك سياسي لتحافظ المدينة على تنوعها وانفتاحها وتقبلها الاخر، رغم ان العلاقة بين سعد والحريري شبه مقطوعة، وبين الحريري و"الجماعة" والبزري فاترة.