مع صُدور قرارات مجلس الوزراء وعدم إكتراث المُتظاهرين بما جرى إعلانه من إجراءات "إصلاحيّة"، يُعاني ال​لبنان​يّون جميعهم من مُشكلة كبيرة، وهي: ماذا بعد؟ بمعنى آخر، كيف يُمكن مُعاودة الحياة الطبيعيّة في البلاد، في ظلّ إستمرار ​قطع الطرقات​ الرئيسة والفرعيّة، وإستمرار "الكباش" بين السُلطة والمُحتجّين في الشارع؟.
طالما أنّ المُتظاهرين رفضوا وقف التظاهرات والإعتصامات والإنسحاب من الشارع، فهذا يعني أنّ عمليّات قطع الطرقات ستبقى مُستمرّة، وبالتالي لا قُدرة للمُواطنين جميعًا للوُصول إلى وُجهاتهم، حيث لا قُدرة للتلاميذ للوُصول إلى مدارسهم، ولا قُدرة للطلاب للوُصول إلى جامعاتهم، ولا للعمّال وللمُوظّفين للوُصول إلى وظائفهم، إلخ. وبالتالي، الشلل يعمّ لبنان–ولوّ بنسب مُتفاوتة، مع ما يعنيه هذا الأمر من خسائر ماليّة هائلة تُستنزف بشكل يومي، علمًا أنّ السعي لفتح المدارس والجامعات والمؤسّسات وغيرها، من دون تأمين الطرقات، لعبة خطرة جدًا، وستتسبّب بمشاكل ميدانيّة كثيرة، ولوّ فرديّة، ولوّ بعيدة عن الكاميرات.
المُعارضون لقطع الطرقات يتحدّثون عن "زعران" وعن "قُطّاع طرق" وعن "مُخرّبين"، وعن أنّ حريّة أيّ مُواطن بالتظاهر يجب ألاّ تكون على حساب حُرّية مُواطن آخر بمُتابعة حياته الطبيعيّة، وعن ضرورة إعادة توجيه بُوصلة المُتظاهرين، وعن وُجوب التظاهر في أماكن مُحدّدة بشكل مُنظّم، من دون قطع أرزاق الناس والتضييق على حرّيتهم بالتنقّل، خاصة أولئك الذين لا يريدون المُشاركة في هذه التحرّكات.
في المُقابل، المُؤيّدون للتظاهرات بمُختلف أشكالها، والذين نزلوا بمئات الآلاف إلى الساحات والطرقات قبل القرارات الحُكوميّة، وخاصة بعدها، يَعتبرون أنّ حصر تظاهراتهم في ساحة الشُهداء أو رياض الصُلح، أو أيّ ساحة أخرى، ومنعهم من قطع الطُرقات وشلّ الحركة في لبنان، هو تسخيف لمطالبهم، وتحويل "ثورتهم الهادفة إلى إسقاط السُلطة" إلى ​تظاهرة​ للتسلية لا تُقدّم ولا تؤخّر، بحيث يبقى كل شيء كما هو من دون أيّ تغيير، بحيث تبقى السُلطة في موقعها، وتتكفّل ​أمطار​ ​الشتاء​ المُقبلة بتفريق من يكون قد بقي مُصرًّا على التعبير عن رأيه المُعارض.
وأمام هذا الواقع، من الضروري أن تقوم الحُكومة بحلّ هذه المُعضلة، بشكل فوري ومن دون أيّ تأخير إضافي، باعتبار أنّ رهانها على تلاشي التحرّكات المُعترضة مع مُرور الوقت، قد يكون غير صحيح، وهنا تكمن المشكلة، لجهة سوء تقدير حجم الإمتعاض الشعبي الواسع والممتدّ من عكّار و​طرابلس​ مُرورًا ب​جبل لبنان​ والبقاع، وُصولاً إلى صور وأقصى الجنوب، بغضّ النظر عن بعض المُحاولات السياسيّة لإستغلال الحراك، أو لتحفيزه أو لتوجيهه نحو مطالب مُحدّدة ونحو جهات وشخصيّات مُعيّنة. فهذا الحراك الّذي أساسه شرائح شعبيّة ناقمة على كل الأحزاب والتيّارات، وعلى كل شخص شارك في السابق أو يُشارك اليوم في السُلطة، لن يخرج من الشارع بُسهولة. وبالتالي، الضرر الإقتصادي والمَالي يتزايد بشكل يومي خطير، وإحتمال قيام بعض الأحزاب الرئيسة المَوجودة في السُلطة بإرسال أنصارها لفتح الطرقات موجود، مع ما يعنيه هذا الإحتمال من مخاطر داهمة على السلم الأهلي، على الرغم من أنّ الجيش يقوم بجُهود جبّارة لمنع أيّ إحتكاك في الشارع، ولحماية كل اللبنانيّين من دون إستثناء.
كما أنّ تجاهل الأزمةوالسعيلفتح الجامعات والمدارس والأشغال، بهدف فرض أمر واقع، وبالتالي على أمل التسبّب تلقائيًا وتدريجًابسحب المُتظاهرين من الشارع، يحمل مخاطر كبيرة، والمَطلوب مُعالجة الأزمة بشكل واضح قبل ذلك. فإذا كانت الإستقالة غير واردة بالنسبة إلى رئيس الحُكومة ​سعد الحريري​، وإذا كان التحالف الذي يجمعه حاليًا مع بعض القوى السياسيّة الرئيسة في لبنان باقٍ، على الحُكومة عندها تحمّل مسؤوليّاتها كاملة إزاء مُواطنيها، وعدم إلقاء المُهمّة على عاتق الجيش والقوى الأمنيّة، من دون توفير الغطاء السياسي العلني والواضح لهم.
في الخلاصة، إنّ جزءًا كبيرًا من النقمة الشعبيّة على الحكومة ورئيسها، يعود إلى تراخيها وضعفها في مُعالجة المشاكل، والحُكومة اليوم الرافضة للإستقالة والمُتمسّكة بالسُلطة–بغضّ النظر عن الأسباب والخلفيّات والضُغوط، تُظهر بفشلها في إعادة الحياة الطبيعيّة إلى لبنان، ضعفها الكبير مرّة جديدة، وهي تُظهر أيضًا سوء تقديرها المُستمرّ لحجم الإعتراضالشعبي ضُدّها، من خلال إعتماد سياسة النعامة. وهذا الوضع لا يجب أن يستمرّ على الإطلاق، ما يستوجب أخذ قرارات جريئة، فإمّا الإستقالة اليوم قبل الغد، لوضع خريطة طريق لإحتواء الغضب الشعبي وللبدء بالخروج من الأزمة، وإمّا تحمّل المسؤوليّة الكاملة والعلنيّة في العمل على إعادة الهدوء والإستقرار والحياة الطبيعيّة إلى لبنان بأسرع وقت، بدءًا بفتح الطرقات وفرض الهيبة، لأنّ إستمرار وضع "لا مُعلّق ولا مُطلّق"... كارثي!.