بعد الإجتماع الإستثنائي ل​مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك​ في ​لبنان​، في ​بكركي​، الذي صدر عنه بيان تلاه ​البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي​، توجهت الأنظار إلى ​دار الفتوى​، التي لم تكن قد أصدرت، قبل ذلك، أي موقف رسمي من ​الحراك الشعبي​ في الشارع، حتى ولو كان ذلك في سياق العموميات، الأمر الذي طرحت حوله الكثير من علامات الإستفهام، في ظل حالة من الإرباك سيطرت على معظم المشايخ.
وسط هذا الواقع، أعلن أمين دار الفتوى ​الشيخ أمين الكردي​، في تصريح عبر ​مواقع التواصل الإجتماعي​، موقفاً متضامناً مع المتظاهرين، داعياً جميع العلماء وجميع أصحاب الفكر وسائر الأحرار إلى "الوقوف في صف الشعب المظلوم والمطالبة بحقوقه وكرامته والضغط لمحاسبة الفاسدين"، بعد أن كان رأى أن "هذه الجموع الشعبية التي تصرخ بحناجر الألم أقدس من كل المناصب والتسويات"، مشيراً إلى أن "الأوطان لا تبنى بوجود الفاسدين واللصوص".
هذا الموقف اللافت، اكتسب أهمية بارزة، في ​الساعات​ الماضية، خصوصاً أن الشيخ الكردي يعتبر الرقم 2 في دار الفتوى، وهو رسمياً بحال تعذر مفتي ​الجمهورية​ عن القيام بمهامه يتولى المسؤوليّة إلى حين انتخاب آخر، كما حصل مع المفتي السابق ​محمد رشيد قباني​، على اثر اغتيال المفتي الشيخ حسن خالد، حيث تولى المسؤولية في العام 1989 إلى أن انتخب مفتياً في العام 1996.
في حديث لـ"​النشرة​"، يرفض الكردي الحديث عن هذا الموضوع، مكتفياً بما أدلى به على مواقع التواصل الإجتماعي، لكنه يؤكد، بالرغم من موقعه، أن الموقف الرسمي لدار الفتوى يعبّر عنه المرجع الرئيسي مفتي الجمهورية، طالباً التواصل الإعلامي في الدار، ما يعني أن موقفه، بشكل أو بآخر، هو موقف شخصي بالدرجة الأولى، إلا أن ذلك لا يلغي حالة الإرباك التي عبّر عنها أحد المشايخ، عبر "النشرة"، رافضاً الكشف عن اسمه.
ويشير هذا الشيخ إلى أن موقف أمين دار الفتوى هو الذي دفع إلى طرح الكثير من الأسئلة في أوساط العلماء والمواطنين، لكنه يؤكد أن هذا الموقف لا يمكن القول أنه موقف رسمي لدار الفتوى، ويوضح أن صفة الشيخ الكردي هي التي أعطته هذا الحجم، بالرغم من مشاركة العديد من المشايخ في التحركات وتعبيرهم عن مواقفهم عبر مختلف الوسائل، ويضيف: "الأمر يختلف عندما يكون المتحدث في موقع المسؤولية".
ويلفت الشيخ نفسه إلى أن غياب أيّ موقف رسمي عن دار الفتوى أثر على المشايخ، لا سيما أن الذين تحدثوا هم قلة وشبه مستقلين عملياً، لكن القسم الأكبر كان يخشى القيام بالأمر ذاته، نظراً إلى أن مفتي الجمهورية نفسه لم يكن قد أدلى بأيّ موقف، ويؤكّد أن المشايخ لم يتبلغوا بأي شيء، ولو كان ذلك بشكل غير معلن، بالرغم من أن يجري غير بسيط وهناك مصير بلد على المحك.
على صعيد متصل، تشير مصادر مطلعة، عبر "النشرة"، إلى أن دار الفتوى كانت تجري العديد من اللقاءات والإتصالات، في الساعات الماضية، بعيداً عن وسائل الإعلام، في سياق متابعتها لما يجري ولمواكبة الحراك القائم في الشارع، لا سيما أن الظرف الذي تمر به البلاد غير عادي، وترفض الحديث عن تأخر في الإعلان عن الموقف الرسمي من قبل مفتي الجمهورية، لافتة إلى ما يحصل ينبغي التعامل معه بكل حكمة، وهو ما عبّر عنه دريان بشكل واضح في موقفه.
وتشدّد هذه المصادر على أن دار الفتوى ستبقى مواكبة لما يحصل على أرض الواقع، مع دعوتها المتظاهرين للحفاظ على سلميّة التحرك، مؤكدة تأييدها المطالب الإجتماعية والشعارات الوطنيّة التي رفعها المواطنون، لا سيما بعد تجاوزهم المربّعات الطائفيّة والمذهبيّة، لكنها تلفت إلى أنّ دريان إختار عدم الذهاب إلى طرح أيّ مخرج، مثل الدعوة إلى إستقالة ​الحكومة​ أو القيام بتعديل وزاري، مفضلاً الإكتفاء بدعوة أركان ​الدولة​ إلى تلبية حاجات الناس والتجاوب مع مطالبهم.
في المحصّلة، حسم مفتي الجمهورية حالة الإرباك التي كان يعبر عنها بعض المشايخ، لناحية الموقف من الحراك الشعبي القائم في الشارع، بانتظار ما قد يصدر لاحقاً مع تطور الأحداث في الأيام المقبلة.