"كلن يعني كلن"... شعارٌ جدليّ رفعه متظاهرو ​الحراك الشعبي​ على مدى أكثر من 13 يوماً، في وجه الطبقة السياسيّة برمّتها، وعلى رأسها الحكومة ومكوّناتها المختلفة، ولا سيما القوى "الثابتة" في الحكم منذ التسعينات، والتي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه من تراكمات وأزماتٍ تكاد تكون "كارثيّة" على أكثر من مستوى.
ومنذ اليوم الأول، كان المَطلَب الأول للحراك هو استقالة الحكومة إفساحاً في المجال أمام ولادة حكومةٍ جديدةٍ اختلفت مقاربتها بين الساحات، وإن اتّفق الجميع، افتراضياً، على ضرورة أن تكون مستقلّةً بشكلٍ أو بآخر، بما يضمن "الإطاحة" برموز الأحزاب التقليدية، ممّن تحوّلوا إلى "ثوابت" لا تولد حكومة من دونهم.
كلّ ذلك كان قبل إعلان رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ استقالته، في خطوةٍ وُصِفت بالفرديّة. فجأةً، بدأ خطابٌ آخر يُرصَد في كواليس "الحراك"، وكأنّ الرجل الذي قيل إنّه "تجرّأ حيث لم يجرؤ الآخرون"، أخرج نفسه من معادلة "كلن يعني كلن"، بل إنّ المفاجأة أنّ إعادة تسميته تحوّلت في مكانٍ ما إلى مَطلَبٍ لبعض المتظاهرين!.

"الحريري واحد منّن"؟!


قد يكون رئيس الحكومة الأكثر شجاعةً في الطبقة السياسيّة، كما يحلو للبعض القول، باعتبار أنّه الوحيد الذي أقدم على خطوةٍ ملموسةٍ بإعلان استقالته استجابةً لرغبة الجماهير، كما قال، فيما كان "شركاؤه" في الحكومة، والتسوية التي أتت بها، يصرّون على رفض مجرّد البحث بفكرة الاستقالة تحت ضغط الشارع، مهما كان الثمن.
وقد يكون الحريري، بخلاف ذلك، عرف كيف "يتلقّف" حراك الشارع في محاولةٍ لتوظيفه لمصلحته السياسيّة، عبر استيعابه بالدرجة الأولى، وهو ما حرص على فعله منذ اليوم الأول، فضلاً عن عدم تخوينه أو رسم علامات استفهام حول مصادر تمويله، وصولاً إلى تصوير استقالته وكأنّها جاءت لدرء الفتنة، ومنعاً لإراقة الدماء.
لكنّ كلّ ذلك لا يمكن أن يُخرِج الحريري من معادلة "كلن يعني كلن"، ولا يعفيه بالتالي، بحسب ما يقول المتابعون، من مسؤوليّةٍ أساسيّةٍ على مستوى الأزمات التي وصلت إليها البلاد، وهو الذي لا يخفي أصلاً سعيه لاستكمال تطبيق مشروع ما يُصطَلح على تسميته بالحريريّة السياسيّة، والذي بدأ العمل به منذ وصول والده رئيس الحكومة الأسبق ​رفيق الحريري​ إلى الحُكم. أكثر من ذلك، ثمّة من يقول إنّ الحريري أصلاً هو صاحب فكرة "​الضرائب​" التي أخرجت الناس عن طورها، علماً أنّ الأخير كان قد مهّد لكلّ ذلك منذ ما قبل ​تشكيل الحكومة​ الأخيرة أصلاً، عندما تحدّث عن "إجراءاتٍ غير شعبيّة" ستقوم بها، بل إنّه كان من يتصدّى لأيّ ضرائب على ​المصارف​ وأصحاب رؤوس الأموال وغيرهم، وفق ما يُنقَل عنه.
وإذا كان الحريري "حُيّد" في مكانٍ ما، بشكلٍ عفويّ أو منظَّم، عن شعارات الحراك الشعبيّ، لصالح استهداف وجوهٍ أخرى، على رأسها وزير الخارجية ​جبران باسيل​، الذي بات رأسه "مطلوباً"، فإنّه لا يخفى على أحد أنّ النفوذ الذي يتمتّع به الأخير في الحكومة وخارجها، لم يأتِ إلا بدعمٍ وإسنادٍ مباشرَيْن من الحريري. وثمّة داخل الفريق القريب من رئيس الحكومة قبل خارجه، من يقول صراحةً إنّ الحريري هو من يتحمّل مسؤوليّة "تكبير حجر" باسيل، إن جاز التعبير، علماً أنّ كلّ الخطوات التي أقدم عليها وزير الخارجية في ظلّ الحكومة المستقيلة كانت تأتي بالتنسيق مع الحريري، بل بمباركته الشخصيّة.

"الحريري راجع"؟!


طبعاً، لا يتحمّل الحريري المسؤوليّة المُطلَقة عن ​الأزمة​ التي وصلت إليها البلاد، إذ إنّ المسؤولية تبقى جماعيّة بالدرجة الأولى، ويتحمّلها كلّ من شاركوا في الحكومة الأخيرة، ولكن أيضاً في الحكومات التي سبقتها منذ التسعينات وحتى اليوم، لأنّ الأزمة هي نتيجة تراكمات في نهاية المطاف، سواء على صعيد المنهجية، أو الأعراف المكرّسة، أو حتى على مستوى الأداء. ولذلك، لا يبدو مجدياً اليوم الخوض في لعبة تقاذف الكرة، التي تخوضها القوى السياسية، في محاولةٍ من كلٍ منها لرمي الكرة في ملعب الآخر، أو نزع تهمة الانخراط في ​الفساد​ عنها، لأنّ التستّر على فاسدٍ، ولو كانت دوافعه السياسية متوافرة وربما منطقيّة، يبقى صكّ إدانة لا براءة.
عموماً، لم يعد خافياً على أحد أنّ الحريري يسعى للاستفادة من الظرف القائم للعودة إلى ​رئاسة الحكومة​، ولكن وفق شروطه هذه المرّة، وعلى رأسها "التحرّر" من كلّ القيود التي يقول إنّها كبّلته في الحكومة السابقة. ويبدو واضحاً أنّه يستخدم الشارع لتحقيق هذه الغاية، فهو يلعب على وتر الحراك الشعبيّ، محاولاً استمالته لصالحه، وهو ما نجح في تحقيقه نسبياً في بعض الساحات والمناطق، حيث لم يتردّد "​تيار المستقبل​" في الانضمام إلى "​الثورة​"، ولكنّه في الوقت نفسه، يلعب أيضاً على الوتر المناقض تماماً، أي الوتر الطائفيّ، الذي برز عبر تحرّكات بعض أنصاره الرافضين لـ "استفراد زعيمهم".
لكن، بمُعزَلٍ عن ذلك، تشير كلّ المعطيات إلى أنّ الحريري "راجع" إلى رئاسة الحكومة، ولو لم يكن يمتلك الأكثرية النيابية التي تخوّله ذلك، سواء عبر شخصه، أو عبر "ممثلٍ" له بموجب "تسوية" يتمّ الاتفاق عليها، بما يحفظ ماء وجه بعض الأفرقاء إذا ما تمّ "إقصاؤهم" فعلياً عن التركيبة الحكوميّة. وإذا كان الحريري يفضّل السيناريو الأول، لاعتقاده بأنّ وجوده في السراي لا يزال يشكّل حاجة استراتيجية بالنسبة إليه، فإنّ ثمّة داخل "​التيار الوطني الحر​" نفسه من يميل إلى المصادقة على هذا الرأي، رغم ما يصفه بـ "الطعن بالظهر" الذي تجسّد بخطوة الاستقالة، وذلك انسجاماً مع نظريّة "القوي في طائفته"، المطبّقة على رئاستي ​الجمهورية​ والبرلمان، ومنعاً لخروج الأمور عن السيطرة في الشارع أكثر ممّا هو حاصل حالياً، في حال الذهاب إلى خيار "تصادميّ".

"الواقعية" مطلوبة...


لا يبدو الرأي موحَّداً تجاه شكل الحكومة المقبلة وهوية رئيسها، لا على مستوى القوى السياسيّة، ولا على مستوى الحراك الشعبيّ، بتشعّباته المختلفة.
فعلى صعيد "شركاء" الحريري، ثمّة من يعتبر أن الأخير لا يمكنه أن يرأس حكومة لا تضمّ حزبيّين مثلاً، وبالتالي فإنّ ما ينطبق على باسيل وغيره يجب أن ينطبق عليه، علماً أنّ ما يُسرَّب أنّ إعادة تسميته، إن حصلت، فستكون بالحدّ الأدنى من الأصوات، لتوجيه "رسالة سياسية" إليه.
أما على مستوى "الحراك"، فالانقسام قائم، بين من يصرّ على أنّ الحريري يبقى جزءاً لا يتجزّأ من الطبقة السياسية، وأنّ القبول بعودته لرئاسة الحكومة يشكّل "انقلاباً" على "الثورة"، بما يطيح بكلّ المبادئ التي قامت على أساسها، ومن يعتبر أنّ الخصوصيّة اللبنانيّة تفرض القبول به، وأنّ الأساس يبقى شكل الحكومة وهيكليّتها، بمُعزَلٍ عن رئيسها.
وبين هذا وذاك، تبقى "الواقعية" أكثر من مطلوبة، "واقعية" يفترض أن تنطلق من قراءة هذه الخصوصيّة، ولكن تمتدّ إلى نقاش التوقّعات من أيّ حكومةٍ مقبلةٍ، حتى لا يُتّهَم الحراك بأنّه كان هدراً للوقت، من دون نتائج تُذكَر...