عندما كانت الهتافات تتعالى خلال مسيرات ​الحراك الشعبي​ لإسقاط النظام في ​لبنان​، كان سياسيون وصحافيون ونخبويون يسخرون من شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، بإعتبار أن نظام لبنان طائفي معقّد مركّب، وهو ليس رئاسياً أو ملكياً أو أميرياً كغيره من ​الدول العربية​، وبالتالي لا يصحّ معه شعار إسقاط النظام، الذي يُصبح عبر شعار "كلن يعني كلن" إسقاطاً لمؤسّسات الدولة. لكن الحقيقة تكمن في تلك الأصوات التي تقصد النظام الطائفي. هم يريدون دفن نظام "لبنان الكبير" بعد مئة عام من ولادته. لأنّ النظام الطائفي لم ينبثق عن دستور الجمهورية الثانية، بل وضعت أُسُسه جغرافية وديمغرافية "لبنان الكبير". هذا النظام الطائفي هو الذي أفسد ​المجتمع اللبناني​، ورسّخ المحاصصات الطائفية وبالتالي السياسية، وحوّل الأحزاب من وطنية الى تموضعات مذهبية، ومنع محاربة الفاسدين من خلال رسم الخطوط الحمر حولهم.
إنتهى العقد الإجتماعي الذي رسمه "لبنان الكبير" جغرافياً، وثبّتته التسويات وتعديلاتها وآخرها في ​إتفاق الطائف​، وحان وقت تأسيس عقد إجتماعي جديد يقوم على أساس ما عبّر عنه الحراك الشعبي عفوياً في الساحات، وأشار اليه ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ بحديثه عن ​الدولة المدنية​، وفصّله رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ بإعادة طرح مشروعه: قانون إنتخابي جديد على أساس لبنان دائرة إنتخابية واحدة، إلغاء ​الطائفية السياسية​، وتأسيس الدولة المدنية.
فما المانع من دفن العقد الإجتماعي الطائفي الحالي المسؤول عن نكبات لبنان، وفرض عقد وطني جديد يُرضي طموحات اللبنانيين؟ ولماذا تفرض المستجدّات أنظمة جديدة في ​العالم العربي​ بينما يقتصر التجديد في لبنان على عناوين مرحلية؟ لن تُجدي كلّ تلك العناوين مهما بلغت نتائجها الإيجابية سواء بمحاسبة الفاسدين أو إستعادة الأموال المنهوبة، في حال بقي النظام الطائفي قائماً من دون دفنه. لأن هذا النظام سيعيد انتاج منظومات سياسية مشابهة تكرّر الأزمات والنكبات و​السرقات​، عبر كل الأجيال.
من هنا تُصبح المسؤولية أكبر أمام الحراك الشعبي أولاً، وأمام كلِّ اللبنانيين ثانياً، لأنهم معنيّون بالمشاركة معاً في مسيرة دفن النظام الطائفي، وإستقبال الدولة المدنية بروح وطنية عالية، لا تُبعد مكوّناً ولا مجموعة ولا حزباً عن المرحلة الجديدة: المطلوب رص الصفوف الوطنية ومواجهة تحديات خطيرة إقتصادية وسيادية كبرى.
هل يعلم ​اللبنانيون​ أن الإنهيار المالي يُمكن تجنّبه بالتكاتف في الإصلاح، بينما تتسارع خطاه في حال الإرباك؟ يؤدّي التشتّت الوطني الى الفوضى، وربما إلى حرب أهلية كما حصل في دول عربية عدة. أيهما أقدر وأفضل: بناء الدولة المدنية وفرض العدالة الإجتماعية بالعاطفة أم بالعقل؟
سقط "لبنان الكبير" في مئويته، وعلى كل اللبنانيين إنتاج نظام سياسي جديد، لأن محاولة ترميم النظام الطائفي الذي يحتضر الآن ستسقط اليوم، أو غداً. تستمد هذه الفرضية واقعيتها من فهم الجيل الجديد للدولة العادلة، فلم يعد هذا الجيل يقتنع بكل من الأحلام والاوهام القديمة والحالية. ولم يعد يتقبّل بناء ​المستقبل​ على أمجاد الماضي فقط، رغم عظمتها وأهميتها في حفظ لبنان ومنعه من التقسيم والتفتيت. آن الأوان للتعاطي مع جيل جديد، تختلف مقارباته وثقافته ومصطلحاته. إنه جيل السوشيل ميديا، لا جيل المحاضرات والندوات. يحتاج هذا الجيل الى خطاب مختلف عن خطابات الجيل السابق. فليكن خطاب الدولة المدنية جامعاً له.
يُضاف إلى ذلك، أنّ الدولة المدنية هي مقبرة للتقسيميين والتكفيريين والمتطرّفين. فيكفي أن يذهب الكلّ لمشروع تلك الدولة كي يحفظوا البلد معاً من الغزاة والمحتلّين والطامعين.
لن يكون طريق الدولة المدنية مفروشاً بالورود امام اللبنانيين، رغم كل مشاهد الحراك الشعبي الآن، والهتافات التي طالبت بإسقاط النظام الحالي. لأن هناك مطبّات طائفية لا زالت تعترض الطريق. واذا كانت تلك المطبّات هي التي اجهضت مساعي بري سابقاً في طرح ​الغاء الطائفية​ السياسية المنصوص عنه في ​الدستور​، فإن مشهد الحراك متّحداً مع الباقين الموجودين في بيوتهم، سيفرض تلك الدولة على مراحل: وضع قانون إنتخابي على اساس لبنان دائرة واحدة وفق ​النسبية​، ثم إجراء ​انتخابات​ نيابية مبكرة، ليتولّى بعدها المجلس الجديد عملية الإنتقال الى الدولة المدنية، عبر إلغاء الطائفية السياسية.