يستمرّ دوران ​لبنان​ في حلقة مُفرغة مُدمّرة، بسبب عدم النجاح–حتى تاريخه، في تشكيل حُكومة جديدة من جهة، وما يُقابل هذا التعثّر من رفض المُحتجّين الخروج من الشارع من جهة أخرى. وبمُوازاة الجوانب الإقتصاديّة والماليّة والمَعيشيّة والحياتيّة للأزمة القائمة، يتحدّث الكثيرون عن خلفيّات سياسيّة لما يجري، بعضها مُرتبط بصراعات داخليّة، وبعضها الآخر مُرتبط بأيادٍ خارجيّة خفيّة. فما صحّة نظريّات المُؤامرات الخارجيّة؟.
من بين الكثير من النظريّات والإتهامات، حديث عن إستغلال أميركي–غربي للحراك الشعبي في لبنان، لتحقيق أحد أهمّ الأهداف السياسيّة، والذي يتمثّل بإخراج "​حزب الله​" من الحُكم. وبرأي الجهات المُقتنعة بهذه النظريّة، فإنّ الإدارة الأميركيّة باتت خبيرة جدًا في إستخدام الضغط الإقتصادي والمالي لتحقيق غايات سياسيّة. وتتحدّث هذه الجهات عن الحصار المَفروض على ​إيران​، وعن التحركات التي تصفها بالمَشبوهة في ​العراق​، وعن القُيود والعُقوبات الأميركيّة المُتصاعدة ضُدّ "حزب الله" منذ سنوات، بهدف تقييد حركته، وإضعاف قُدراته المالية، على أمل تأليب مُناصريه عليه، تحت وطأة الأزمات المَعيشيّة. وتعتبر هذه الجهات أنّ الإدارة الأميركيّة سارعت إلى إستغلال مَوجة الإعتراض الشعبي العارم في لبنان، لتأييد المطلب الداعي إلى تشكيل حُكومة خالية من السياسيّين، تكون مُشكّلة من شخصيّات مًستقلّة ومن وزراء تكنوقراط، بهدف إخراج "الحزب" من المُعادلة الداخليّة، وإضعاف نُفوذه على الساحة الإقليميّة عُمومًا.
في المُقابل، يهزأ المُدافعون عن ​الحراك الشعبي​ من هذه النظريّة، ويتحدّثون عن ضُغوط كبيرة مُورست في بداية ​الأزمة​ من قبل دول غربيّة عدّة، لمنع إستقالة الحُكومة اللبنانيّة من دون توفّر البدائل، بحجّة أنّ هذا الأمر سيُقوّض الإستقرار في لبنان، وسيفتح الساحة اللبنانيّة على كل الإحتمالات، وهو ما لا تريده ​الولايات المتحدة​ الأميركيّة ولا الدول الأوروبيّة، إلخ. ويَعتبر هؤلاء أنّ اليوم، وبعد أن فرضت إستقالة رئيس ​الحكومة​ ​سعد الحريري​ واقعًا جديدًا، حاولت بعض الجهات الداخليّة والخارجيّة على السواء، الإستفادة من الموضوع، لإبعاد بعض القوى السياسيّة عن السُلطة، لصالح حُكومة تكون مُتفرّغة بالكامل للعملين الإقتصادي والإصلاحي. وأشار المُدافعون عن الحراك الشعبي، إلى أنّ نُفوذ "حزب الله" على المُستوى اللبناني، لا يتأتّى من تمثّله بثلاثة وزراء في الحُكومة–أكانت مُستقيلة أم لا، إنّما من سلاحه بالدرجة الأولى، ومن شعبيّته الواسعة ضُمن بيئته وضُمن ​البيئة​ المُؤيّدة لـ"محور المُقاومة" بالدرجة الثانية، وكذلك من تحالفاته السياسيّة مع العديد من القوى والأحزاب والتيارات السياسيّة الرئيسة في لبنان وخارجه أيضًا. ويرى هؤلاء أنّ التذرّع بخلفيات سياسيّة وبمؤامرات للتحرّكات، يهدف إلى تفريغ ​الثورة​ من مَضمونها، وبالتالي إلى إفشال أهدافها، وأهمّها إستبدال الأحزاب السياسيّة في الحُكم، بمجموعة من الوزراء المُستقلّين والتكنوقراط الذين يحظون بثقة الناس.
وبالعودة إلى نظريّات التدخّل الخارجي بالحراك الشعبي في لبنان، يُوجد حديث عن مُؤامرة خارجية ترمي إلى زرع الفوضى الكاملة في لبنان، لتتسبّب بإنهيار إقتصادي ومالي كامل، بحيث تنهار قيمة العُملة الوطنيّة أمام باقي العُملات الخارجيّة، فتفقد قيمتها الشرائيّة، ويتبخّر جنى عُمر الكثير من اللبنانيّين، وتصبح كل الرواتب بالليرة اللبنانيّة من دون قيمة. حتى أنّ الودائع المصرفيّة ب​الدولار​ تُصبح في خطر بسبب عجز ​المصارف​ عن إعادتها إلى المُودعين، نتيجة الإنهيار الذي سيحصل تحت وطأة إستمرار الفوضى لفترة طويلة. وعندها–ودائمًا بحسب المُؤيّدين لنظريّة المؤامرة الخارجيّة، تحلّ الفوضى الشاملة في لبنان، وتعجز ​الدولة​ اللبنانيّة بكامل أجهزتها ومُؤسّساتها عن إعادة الهُدوء والإستقرار، من دون مُساعدة خارجيّة. وبالتالي، يدخل المُجتمع الدَولي على الخطّ، لفرض أجندات سياسية وديمغرافية، منها ما هو مُرتبط بتوطين ​اللاجئين​ الفلسطينيّين وقسم من السُوريّين في لبنان بشكل دائم، وبعدم مُعارضة السُلطة في لبنان ل​صفقة القرن​، في مُقابل حُصول الدولة اللبنانيّة على الأموال النقديّة الأجنبيّة، لإعادة التوازن إلى وضع ماليّتها المُنهار، ولإعادة التوازن إلى العملة الوطنيّة، وبالتالي لإعادة الثقة إلى كامل ​الدورة​ الإقتصاديّة والماليّة.
في المُقابل، يَستغرب المُدافعون عن الحراك الشعبي ذهاب البعض بعيدًا في نظريّات المُؤامرة، علمًا أنّ الجزء الأكبر ممّا يحصل حاليًا يعود إلى أسباب وإلى سياسات داخليّة محض، جرى تطبيقها في السنوات وحتى خلال العُقود القليلة الماضية، ويعود خُصوصًا إلى عدم المُسارعة إلى تشكيل حُكومة جديدة بدلاً من الحكومة المُستقيلة! وبحسب هؤلاء، لو سارعت السُلطة إلى الإستجابة لمطلب تشكيل حُكومة جديدة غير مُسيّسة، وتضمّ وُجوهًا وشخصيّات تحظى بثقة الرأي العام، لكان لبنان بدأ يتعافى تدريجًا من الأزمة الحاليّة، ولأصبح بالإمكان حصر الثورة الشعبيّة بإعتراضات مَحدودة في الزمان والمكان، ولا تؤثّر على ​الحياة​ العامة في لبنان. ويعتبر المُدافعون أنفسهم، أنّ إدخال مواضيع شائكة، مثل ملفّ ​التوطين​ وغيره، في خلفيّات الحراك الشعبي، لا يقلّ خُطورة عن قيام بعض الأحزاب بإستغلال الحراك لتصفية حساباتها مع أحزاب وقوى أخرى، علمًا أنّ الثورة كانت بدأت كنتيجة طبيعيّة للوجع المُتراكم لأغلبيّة اللبنانيّين، ولرفضهم هذه الطبقة السياسيّة الحاكمة، وليس لغايات سياسيّة، بعضها من نسج الخيال تمامًا.
في الخُلاصة، كل المُؤشّرات والمُعطيات المُتوفّرة حاليًا تدلّ على أنّ التحرّكات الميدانيّة التي يُنفّذها المُتظاهرون مُرشّحة للإستمرار في المدى المنظور، بعد أن لمسوا تجاهلاً تامًا من قبل السُلطة لإحتجاجاتهم ولإعتراضاتهم، في الوقت الذي يتردّد أنّ حسم الخيارات بالنسبة إلى ملف التكليف وتشكيل الحُكومة ​الجديدة​، صار على مرمى حجر. فهل ستُبصر الحُكومة الإنقاذيّة المَنشودة النور قريبًا، أم أنّ لبنان سينجرف أكثر فأكثر في النفق المُظلم، بحيث لا يعود مُهمًّا إذا كانت الأسباب داخليّة بحت، أم عبارة عن مُؤامرة خارجيّة؟!.