ثمة اقتناع لدى العديد من الجهات بأنّ عودة المتظاهرين الى الشارع والتي تشكل بداية المرحلة الثالثة من الحراك جرى التفاهم عليها لأسباب سياسية قبل المقابلة التلفزيونية لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون. لكن المقابلة التي لم تحمل فعلياً أي جديد، ساهمت في زيادة مستوى التجييش لدى المتظاهرين. في الواقع، كانت الاجواء بدأت تتلبّد أكثر فأكثر مع تسرّب معلومات من القصر الجمهوري بأنّ عون باشر استعراض أسماء بديلة لتكليفها تأليف الحكومة بدلاً من الرئيس سعد الحريري.

في هذا الوقت كان الحريري يردّد أمام الوزير جبران باسيل، موفداً من رئيس الجمهورية، وأمام الوزير علي حسن خليل والحاج حسين خليل، أنّ الظروف الاقتصادية والمالية الكارثية للبلد هي جدّية وحقيقية وليست للضغط أو التهويل، وأنّ لبنان في أسفل «الجورة»، وأنّه كي يستطيع الانطلاق بمسيرة الانقاذ والاعتماد على مساعدات خارجية، فإنّه لا مجال إلاّ تشكيل حكومة تكنوقراط، و»إلّا فتشوا عن غيري وانا اعدكم بأنني لن أعارضه، بل سأساعده ضمن امكانياتي».

وفيما كان الرئيس الحريري يقفل الباب نهائياً أمام حكومة تكنوسياسية، كان «حزب الله» يؤكّد تمسّكه النهائي وغير القابل للتعديل بالمشاركة في الحكومة من خلال تمثيل مباشر له. وهو ما يعني حكومة تكنو - سياسية تجمع بين مطالب الجميع.

إثر ذلك باشر رئيس الجمهورية وضع تصوّره لحكومة تشكّل صدمة ايجابية برئاسة شخص غير الرئيس الحريري. ووفق المعلومات، فإنّ الاقتراح في قصر بعبدا تحدث عن حكومة سداسية برئاسة أسامة مكداشي، الذي عمل رئيساً للجنة الرقابة على المصارف، قبل ان ينتقل الى الاردن ليعمل في البنك العربي، أو وليد علم الدين الذي عمل أيضاً في لجنة الرقابة على المصارف.

وقيل إنّ اتصالات جرت بهما وحققت اتفاقاً، بل وضعت أسماء الوزراء الخمسة التي غلب عليها طابع الاختصاص المالي والاقتصادي والمصرفي. بيد أنّ هذه المعلومات سرّبت عمداً الى «بيت الوسط»، خصوصاً الاسم المُقترح لتشكيل الحكومة، ما جعل الاجتماع الذي عُقد ليل الاثنين الماضي بين الحريري وباسيل أكثر مرونة، وقيل إنّه أفضى الى تفاهم مبدئي على حكومة تكنوسياسية تتراوح بين 18 و24 وزيراً شرط أن يكون طابع الوزراء السياسيين «لايت».

وتمّ الاتفاق على استتباع لقاء الاثنين بلقاء ثانٍ كان من المفترض ان يحصل مساء أمس، لاستكمال الاتفاق على كل النقاط والاسماء والحقائب.

في هذا الوقت، كان «حزب الله» يجدّد نصيحته لرئيس الجمهورية بترك خيار حكومة اللون الواحد أو حكومة المواجهة كآخر الخيارات، واستنفاد الوقت في السعي لاتفاق على حكومة تجمع كل الشرائح شرط أن تلحظ تمثيلاً سياسياً ولو بنسبة معينة، وهي الثابتة التي يجب ان تستند اليها كل الحلول الحكومية. ولأنّ المرونة عادت وظهرت، جاء من ينصح رئيس الجمهورية بتأجيل اطلالته التلفزيونية كون الامور لم تُحسم بعد، وهو ما غلب على إجابات الرئيس عون. لكن المقابلة حصلت وانفجر الشارع من بعدها بشكل أعنف، ما طرح عدداً من التساؤلات:

قد يكون هنالك من اراد استعادة التحرّك في الشارع للتنبيه من خيار حكومة اللون الواحد، وهو ما أدّى في المناسبة الى إعادة إعلان الاسمين المقترحين لرئاسة الحكومة اعتذارهما بسبب الظروف الصعبة المحيطة بالعملية. أو أنّ هنالك من اراد ان يعيد التذكير بعدم تجاوز الشارع. ولكن تداعيات المقابلة التلفزيونية دفعت بأعداد كبيرة من الناس الى الشارع ما أعاد خلط الاوراق، وأدّى الى الغاء الاجتماع بين الحريري وباسيل ليلة أمس، وتصاعد التسريبات من مقرّبين من قصر بعبدا بأنّ الحريري اعتذر وسيجري الاتفاق على شخص آخر. وتردّد في اروقة «بيت الوسط» أنّ الرئيس الحريري استاء جداً مما ورد في كلام رئيس الجمهورية، خصوصاً لناحية وصفه الحريري بالمتردّد، وبأنّه في المرة السابقة «أخذ التكليف وراح نام».

ما حصل في الشارع بدّل المعطيات من جديد، ولكن «حزب الله» لا يرغب في حكومة اللون الواحد على الاقل في هذه المرحلة. فهو يحسب في السياسة لكل تفصيل يظهر، هو يحسب أنّ المخطط كبير جداً والهدف هو تصفية حضوره داخل السلطة. وقد يكون يحسب أيضاً أنّ الذهاب الى حكومة اللون الواحد هو بمنزلة الهرولة للوقوع في الفخ، نظراً لردة الفعل الدولية التي ستحصل والتي ستفتح باب المواجهات مع العواصم الغربية التي تمسك بقرارات الامم المتحدة.

في موازاة ذلك، فإنّ المقابلة التلفزيونية للرئيس عون، وان جاءت من دون أي جديد على الصعيد الحكومي، فإنّها حملت دلالات وربما رسائل للاميركيين.

فمثلاً، وصف عون ما كان أعلنه الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله حول الالتفات ناحية الصين، بأنّه مجرد اقتراح وليس خياراً، وما بين الاقتراح والخيار فرق شاسع ومفهوم آخر، رغم انّه لم يكن قد مرّ على كلام نصرالله 48 ساعة. في الواقع وضع عون الاقتراح جانباً. كذلك في إطار الاجابة عن سؤال عمّا اذا كان هنالك من تواصل مباشر بينه وبين الرئيس السوري بشار الاسد، جاءت الاجابة غامضة ومرفقة بتشبيه لن يعجب دمشق وحلفاءها.

وفي الرسائل ايضاً، اصرار رئيس الجمهورية ولدى التطرّق الى تمثيل الحراك الحاصل في الحكومة، بأن يكون التمثيل من حصة جمعية «لايف» التي تشكّل احدى مجموعات الحراك في الشارع، والتي لديها مركز رئيسي في نيويورك، والتي يُقال انّ لديها علاقات جيدة مع جمعيات ومنظمات اميركية.
باختصار، ورغم الحركة الداخلية الناشطة، الّا انّ العودة الى الشارع اظهرت انّ الظروف لم تنضج بعد.

وجاء كلام حاكم البنك المركزي رياض سلامة حول امتلاكه اكثر من 30 مليار دولار للتأثير في الاسواق، بمثابة جرعة تفاؤل تسمح لأطراف اللعبة الحكومية بأخذ مزيد من الوقت في لعبة عضّ الاصابع الجاري اتباعها. ربما الظروف الاقليمية لا تزال غير ملائمة لحلول حكومية في لبنان، وهو ما قد يفسّر تأجيل موعد زيارة الديبلوماسي الروسي ميخائيل بوغدانوف لبنان، بعد ان كانت مقرّرة في الخامس من هذا الشهر الى موعد لاحق «وعندما يحين الوقت».

وكذلك، هو ما يفسّر اقتصار التحرّك الفرنسي على زيارة استقصائية ورمزية لرئيس دائرة الشرق الاوسط وشمال افريقيا في وزارة الخارجية الفرنسية، مع تحميله رسائل محددة، بدل ان يزور لبنان مثلاً السفير ايمانويل بون وهو مستشار الرئيس الفرنسي للشؤون الديبلوماسية والقادر على قيادة مفاوضات في هذا الشأن.

ولأنّ الرئيس عون يشعر بأنّ الأمور ذهبت في اتجاهات بعيدة في الشارع من بعد كلمته، فهو يتجّه بأن يدعو اليوم الى الاستشارات في حال لن يأتيه جواب من الحريري، وهو أبلغه بذلك أمس.