كتب ​العالم​ والكاتب المشهور بليز باسكال Blaise Pascal في القرن السابع عشر بعد ​الميلاد​ في "الخواطر": "ما أجمل أن نرى بعين الإيمان داريوس وقورش، الإسكندر الكبير و​الرومان​، بمبيوس وهيرودس، يعملون، بغير علم منهم، لمجد ​الإنجيل​".

حقًا، إنّه لقول عجيب وغريب، لكنّه حقيقيّ وحصل فعلًا لأن طرق الله غريبة وعجيبة ومن الظلمة يشرق نور(الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس ٦:٤)، وذلك بمعنى أن نور الله يبدد كل ظلام.
الأسماء الذين ذكرهم العالم باسكال وُجِدَت قبل وبعد ولادة المسيح، ولم يكونوا أشخاصًا عاديين في التاريخ، بل كانوا أباطرة وملوكا وحكّاما وقادة ارتبطت أسماؤهم بحضارات وفتوحات وانتصارات وحروب واحتلالات وجيوش جرارة وزاحفة.
هؤلاء الذين كانوا "عظماء عصرهم" عملوا بوسائل شتّى لتخليد ذكراهم، فقطعوا مسافات وسخّروا كلّ شيء لتنفيذ أهدافهم، ذاك الربح الذي ارتبط بانتصاراتهم دون أن يحسبوا طبعًا عدد الأرواح والأبرياء والضحايا الذين سٌفكِت في حملاتهم.
جعلوا نظرهم هنا، في هذه الأرض، وعلى هذه الأرض فقط.
لكنّهم لم يدركوا أنّهم كانوا بفتوحاتهم هذه يفتحون طريق الإنجيل، وبرصّهم للطرق الوعرة كانوا يعبّدون الطرق ليسلك عليها أناس قد يبدون ضعفاء لكنّهم أقوياء، لأنّهم "خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ"، إذ الطرقات التي شقّوها لتسير عليها مركباتهم وخيولهم وجنودهم وترساناتهم سلكها لاحقًا أقدام المبشّرين بالمخلّص الفادي الرّب ​يسوع المسيح​ الإله المتجسّد لخلاصنا.
لكل زمان صعابه، وأسماء تأتي وتذهب إلّا أن الثابت إلى الآبد ومِن قَبل تكوين العالم هو الذي أتى ليقول لنا "أنا هو" وقبل أن يكون إبراهيم "أنا كائن" (يوحنا ٥٨:٨).
العالم الأرضي اليوم يشهد أنظمة جديدة منبثقة من نظام واحد ولهدف واحد: "العولمة". عولمة تكون فيها الشعوب خاضعة لسلطة أقوى منها، لقادة جدد وفتوحات جديدة بطرق جديدة، تكنولوجيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وماليّة وغيرها.
لكن هذا على المستوى الترابي والأرضي، ولكن مَن قال إن الله استقال؟!.
ومَن قال إنّه لن يكون هناك منافع إيمانيّة ستنبت مِن جديد بالرغم من كل الذي يحدث؟ومَن قال إنّ ما يجري دعوة لكي نعيد حساباتنا ونرجع إلى الله لنجعل طرقنا مستقيمة؟.
صحيح إنّنا نتألّم، وقد تكون بداية الطريق وقد نتألم أكثر وأكثر، ولكننا نتذكّر هنا قول عاشه القدّيس الروسي ​سلوان​ الآثوسيّ (١٨٦٦-١٩٣٨م) والذي أُعلنت قداسته في العام ١٩٨٧م"احفظ نفسك بالجحيم ولا تيأس".
نعم، هذا هو إيماننا منذ الأيام الأولى للمسيحيّة.

لننظر مثلًا ما شهد به بولس الرسول في الرسالة إلى أهل كورنثوس:"مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ. حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا. لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ." (٢كو ٨:٤-١١).
وإذا سألنا لماذا؟ وما هو مصدر هذه القوّة؟ نجيب: لأنّنا قوم تبع إلهه إلى الجلجلة، وقد ظن أقوياء ذاك الدهر أن كلّ شيء انتهي هناك، ولكنّهم لم يفقهوا أن الصليب كان بداية مشوار القيامة وأن الشرير انهزم تحت أقدام الرب.