في خطابه الأخير في ذكرى الرابع عشر من شباط، كان رئيس الحكومة الأسبق ​سعد الحريري​ واضحاً في "نيّته" رسم قواعد اشتباك جديدة، على خط علاقاته مع مختلف الأفرقاء في الساحة الداخلية، من الحلفاء أو الخصوم.

توازياً مع نعيه "التسوية" التي ربطته مع "​التيار الوطني الحر​"، وتحكّمت بأدائه على امتداد السنوات الثلاث الماضية، حرص الحريري على توجيه الرسائل الإيجابية إلى رئيس "​الحزب التقدمي الاشتراكي​" النائب السابق ​وليد جنبلاط​.
لم يُبدِ الرجل الودّ نفسه إزاء "​القوات اللبنانية​" التي قلّصت حجم تمثيلها بذريعة "مرض" النائب ​ستريدا جعجع​، ولكنّه حرص على الترحيب الحارّ بالوزيرة السابقة ​مي شدياق​، ما أوحى بنيّة بطيّ صفحة الماضي القريب.
ومع أنّ عودة العلاقة بين "​المستقبل​" و"القوات" إلى عزّها لا تزال تصطدم بالكثير من التعقيدات، إلا أنّ ثمّة من يقول إنّ الأمر حُسِم، بفعل "ضرورات" المواجهة مع "الوطني الحر"، التي لن تكون متاحة من دون حليفٍ بحجم رئيس حزب "القوات" ​سمير جعجع​...

مراجعة ذاتيّة...


هي "مراجعة ذاتيّة" انطلق بها الحريري منذ خروجه، أو إخراجه، من الحكم غداة انتفاضة اللبنانيين الثائرين على الطبقة السياسيّة، "مراجعة" يسعى من خلالها إلى أخذ العِبَر من "دروس" السنوات الثلاث الفائتة، من أجل "حجز" موقعٍ له في الخريطة السياسية المقبلة، ووفق الشروط التي يضعها بنفسه.
قد يكون خطاب الرابع عشر من شباط حمل بين طيّاته النتيجة البديهيّة الأولى لهذه المراجعة، ألا وهي إنهاء كلّ مفاعيل "​التسوية الرئاسية​" التي يرى المقرّبون منه أنّه لم يجنِ منها سوى البقاء في موقع ​رئاسة الحكومة​، من دون أن تكون له القدرة الفعليّة على إنجاز ما يصبو إليه، بعدما اضطر إلى "الخضوع" في أكثر من محطّة.
وإذا كان الحريري عبّر عن هذا الواقع بصراحةٍ شديدة في خطابه، خصوصاً عند حديثه عن تعامله مع "رئيسيْن"، وتحديداً مع من سمّاه "رئيس الظلّ" في إشارةٍ إلى رئيس "التيار الوطني الحر" النائب ​جبران باسيل​، فإنّه عبّر بصراحةٍ أشدّ عن نتيجةٍ ثانيةٍ للمراجعة الذاتيّة، عنوانها تمتين العلاقة مع "الحزب التقدمي الاشتراكي"، بعدما حُمّلت "التسوية" نفسها مسؤولية تراجعها، بل تدهورها في العديد من المحطّات، ربطاً بالمواجهة الدائمة بين "الاشتراكي" و"الوطني الحر".
بقيت العلاقة مع "القوات اللبنانية" غير واضحة المعالم، بنتيجة الخطاب "المستقبليّ" في ​14 شباط​. لم يقل الحريري إنّه طوى الصفحة، حتى أن ترحيبه بالوزيرة مي شدياق وُضع في الخانة "الشخصية"، بعيداً عن انتمائها "القواتيّ". ولكنّه لم يقل في المقابل ما من شأنه تعميق الهوة بين الجانبين، بل إنّ هناك من قرأ خلف السطور غمزاً يدفع باتجاه "ليونة" أو ربما "ترطيب" للأجواء، تمهيداً لخطوات إعادة "التطبيع" إن جاز التعبير، والتي ستأخذ منحىً تصاعدياً في القادم من الأيام.

خطوط حمراء؟!


توحي المُعطيات بأنّ الحريري بات جاهزاً لإصلاح العلاقة مع جعجع، على رغم الكثير من "الحساسيّات" التي يحملها له ذلك على المستوى الشخصيّ، انطلاقاً ممّا يعتبرها "طعنات" تلقاها من "الحكيم" في المرحلة السابقة، بدءاً من موقفه خلال "مُحنة" استقالته من ​المملكة العربية السعودية​، وصولاً إلى "مزايداته" داخل الحكومة، تارةً عبر التصويت ضدّ موازنتها، وطوراً عبر الاستقالة الفرديّة منها، بحثاً عن "بطولاتٍ دونكيشوتيّة".
لكن، ولأنّ "الضرورات تبيح المحظورات" ربما، يؤكد دائرون في فلك الحريري أنّ الرجل أخذ قراره بطيّ هذه الصفحة، وفتح صفحةٍ جديدةٍ مع "القوات"، لأنّ المرحلة المقبلة تتطلّب تضافراً للجهود، خصوصاً على مستوى المواجهة مع "الوطني الحر"، حتى لا يوظّف الأخير الخلافات الشاسعة في صفوف المعارضة لمصلحته، علماً أنّ هناك من يقول إنّ كلّ المشاكل بين الحريري وجعجع كانت ناتجة عن "التسوية الرئاسية"، وبالتالي فإنّ ما ينطبق على العلاقة بين الحريري وجنبلاط، التي مرّت بالكثير من "السقطات"، ينطبق بالدرجة نفسها على جعجع.
بيد أنّ نيّة "فتح الصفحة" مع جعجع بعد جنبلاط، لا تعني أنّ الحريري يسعى بأيّ شكلٍ من الأشكال إلى إعادة إحياء الانقسام "العموديّ" الذي كان سائداً في البلاد منذ العام 2005، بين معسكري الثامن والرابع عشر من آذار، ليس فقط لأنّ الظرف الدقيق والصعب الذي تشهده البلاد في هذه المرحلة لا يسمح بمثل ذلك، على وقع الحديث المتزايد عن إفلاسٍ وانهيارٍ وما شابه، ولكن لأنّ هناك العديد من "الخطوط الحمراء" التي لا يريد الحريري تجاوزها، مهما تطلّب الأمر، وهو ما يصنّفه كثيرون أيضاً من ضمن النتائج التي أفضت إليها "المراجعة الذاتيّة" التي قام بها أخيراً.
ولعلّ المُتابع لخطاب الرجل في ذكرى اغتيال والده هذا العام قرأ ضمناً هذه النتيجة، فالحريري لم يأتِ على ذكر المحكمة الدوليّة للمرّة الأولى منذ خمسة عشر عاماً، بل لم يوجّه أيّ نقدٍ مباشرٍ لـ "​حزب الله​"، ولم يتطرّق إليه سوى بشكلٍ غير مباشر عند حديثه عن الدعم الإيراني الذي يمكن أن ينقذ حزباً لا بلداً. ومع أنّ ذلك عرّض الحريري للكثير من الانتقادات من داخل "بيئته الحاضنة"، على اعتبار أنّه "أضاع البوصلة" بتحويله "العهد" إلى "عدوّه الأوحد"، فإنّ ثمّة من يربط مواقف "الشيخ سعد" بقناعته بضرورة الحفاظ على العلاقة مع "حزب الله"، ولو تحت عنوان "إدارة الاختلاف"، لاعتقاده أنّ هذه العلاقة ستشكّل "بوابة الأمان" له للعودة إلى رئاسة الحكومة مستقبلاً، وبعدما شعر أنّ "الحزب" وحلفاءه كانوا إلى جانبه أكثر من حلفائه المفترضين، القدامى والجُدُد، ولو أنّ المصالح الشخصيّة لعبت دورها بطبيعة الحال.

"الرهان الأكبر"


شيئاً فشيئاً، تتبلور معالم خريطةٍ سياسيّةٍ جديدةٍ ليس واضحاً حتى الآن إن كانت ستصمد، في ظلّ التغيّرات التي تشهدها الحركة السياسيّة يوماً بعد آخر.
وإذا كان "تجديد" العلاقة بين الحريري وجنبلاط شكّل أول عناوين هذه الخريطة، فإنّ المسار نفسه مُتوقَّعٌ على خطّ العلاقة بين الحريري وجعجع، وربما بين غيرهم من الأفرقاء في القادم من الأيام، سواء ممّن انقطعت قنوات التواصل معهم، أو لم تنقطع.
بيد أنّ كلّ هذه المسارات، مهما تصاعد مستواها، لن تصل إلى حدّ "المواجهة الكبرى" مع المعسكر الآخر، سواء على مستوى "حزب الله"، أو حتى لجهة "إسقاط العهد"، لأنّ "نقاط الالتقاء" قد تتفوّق على كلّ "الاختلافات"، ولأنّ "الرهان الأكبر" يبقى على عودة عقارب الزمن إلى مرحلة "​المساكنة​"، عاجلاً أم آجلاً...