أحدُ الدّينونةِ ثالِثُ أحَدٍ مِن فترةِ التّهيئة في زَمن التّريودي. إنجيله متى(٣١:٢٥-٤٦)، مِحورُه مَجيءَ ابنِ الإنسانِ في مَجدِهِ مُحاطًا بِملائكَتِهِ لِيَدينَ الشُّعوب. مِعيارُ الحُكمِ الآخر، بِحيثُ يَقولُ الرَّبُّ كُلَّ ما "فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ".

ابنُ الإنسانِ هُو الدَّيانُ العادِلُ الذي رآهُ دانيالُ النَّبيُّ آتيًا على السُّحُبِ، وتَسجُدُ أمامَهُ جميعُ الشُّعوب(دا١٣:٧). هُوَ يُشيرُ إلى المَسيحِ المُنتَظرِ الّذي تَتَعبَّدُ لهُ كلُّ الشُّعوب. أطلقَ الرَّبُّ هذه التسمية على نفسِهِ للإشارةِ إلى أنَّهُ مُتمِّمٌ كلَّ النُّبوءات. وهذا ما أثَارَ جُنونَ رئيسِ المَجمعِ اليَهوديّ فشَقَّ ثيابَهُ لِمُجَرَّدِ أنَّ يسوعَ طبَّقَ هذهِ الرُّؤيا على ذاتِهِ مُساويًا نفسَه بِالله.
وَحدَها المسيحيّةُ تُؤمِنُ بالتَّجسُّد. وصَيرورَةِ اللهِ إنسانًا دونَ أن يفقِدَ شيئًا مِن أُلُوهِيَّتِهِ هيَ قمَّةُ المَحبَّةِ اللامُتناهِية. فماذا تُريدُ البَشريَّةُ مِنْ إلهٍ مُتعالٍ يَبقى في سَماواتِهِ، لا يَتَّحِدُ بالإنسانِ كي لا يَتَدنَّس؟ وإذا كان الحالُ كذلِك فعَلى أيِّ إلهٍ مُحِبٍّ يُمكنُ أن نتَكَلَّم؟.
المسيحُ تَجسَّدَ لأنَّهُ عاشِقٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَّا، ونحنُ سَنُحاسَبُ على المَحبَّةِ التي عِندَنا، وعلى تَرجَمَتِنا إيَّاها أفعالًا.
القِدِّيسُ باسيليوس الكبير)٣٣٠-٣٧٩م) يقول: "الّذي نُساعدُهُ بِمَحبَّةٍ صَادِقَةٍ يَشفَعُ بِنا في السَّماء".
المَسيحيّةُ هي هَذا الآخَر. فأمَام العَطاءِ تَنكَشِفُ عَورتُنا، ويَظهَرُ ضُعفُنا، وتتعَرَّى أنانيَّتُنا، ونُعلِنُ عِبادَتَنا لِذاتِنا، وانغِلاقَنا على أنفُسِنا، وكلُّ هذا يُختَتَمُ بِعَدَمِ شُعورِنا بِالآخَر.
يُجمِعُ الآباءُ القِدِّيسُونَ أنَّ عَدَمَ الحِسِّ سُقوطٌ للإنسانيَّة، بِحيثُ لا نفْقِدُ حَواسَّنا الخَمسَ فَحسب، بل نُضْحِي جُثَّةً هامِدَةً لا حياةَ فيها، مُنقَطِعينَ عنِ اللهِ والآخَرِ وذواتِنَا، قابِعينَ في سِجنِ انعدَامِ نُورِ المَحبَّة.
في يَومِ الدّينُونَةِ الرَّهِيبِ نَحنُ مَن يَحكُمُ على أنْفُسِنَا. فنَحنُ لا نُحاسَبُ فقَط على ما فَعلْنَاهُ، بَل على قَدْرِ المَحبَّةِ الّتي كنّا قادِرين على تقديمِها فأحجَمْنا. ولا يتبَاهَنَّ أحدٌ بِأفعَالِه، إذ أمَامَ عَظَمَةِ مَحبَّةِ يَسوعَ تَنكَشِفُ مَحدُوديَّةُ مَحبَّتِنا.
كان الرَّبُّ يَستَعمِلُ صُوَرًا مِن بيئَةِ الإنسانِ لِما فيها من تَداخُلٍ بينَ العُمقِ والبَساطَة في آن. لِذا لا بُدَّ مِنَ الغَوصِ في مَعانيها.
أوّلًا، يُشبِّهُ يسوع نفسَهُ بالرّاعي. تشبيهٌ رائعٌ يُشيرُ إلى مَن يَسهَرُ على خِرافِهِ ويَعرِفُها واحِدَةً واحِدة، وهيَ تَعرفُ صَوتَهُ وتَتبَعُه، وهُوَ يَحميهَا مِنَ الثَّعالِبِ المَاكِرة. وعندَنا أيقُونَةٌ رائعةٌ عُنوانُها الرَّاعِي الصَّالح.
كذلك يشبِّهُ الرَّبُّ الأبرارَ بِالخِرافِ، والمَلاعين بِالجِدَاء.
الجَدْيُ صَغيرُ المَاعِز، والكَبيرُ فيها هُو التَّيس. يُضرَبُ بهِ المَثَلُ في النَّهَمِ والأَكلِ والجِنس. أمّا ذَكَرُ الغَنَمِ فهو الكَبْش، والأنثى نَعجةٌ، وصَغيرُهُما الحَمَل.
الخِرافُ وَدِيعَةٌ، على عَكسِ الجِداءِ الّتي تَتَّصِفُ بالشّراسَةِ والعُدوانِيّة.
الجَديُ يَنظُرُ إلى أَسفَل، أمَّا الحَمَلُ فرأسُهُ مَرفُوعٌ، وكأنَّ الجِداءَ تُمَثِّلُ الإنسانَ الّذي يشتهي الأَرضيَّاتِ، بَينما تُمثِّلُ الخِرافُ الإنسانَ الّذي يَتَطلَّعُ إلى السَّماوِيَّات.
وأيضًا تُدْفئُ الخِرافُ بعضُها بعضًا، إذ يتكئُ كلُّ واحدٍ مِنها رأسَه عَلى الآخَر، وهذا ما لا تَفعَلُهُ الجِداء. هذِهِ صُورَةٌ عَنِ الجَماعَةِ الوَاحِدة.
مِن هنا كانَ تَشبيهُ الرَّبِّ لِشعبِهِ بالغَنَمِ، وكيفَ أنَّهُ سيُجازي الرُّعاةَ الّذِينَ لم يَسألُوا عن غَنَمِهِ، بل انشَغَلُوا عَنها بِأنفُسهم: "صَارَتْ غَنَمِي مَأْكَلًا لِكُلِّ وَحْشِ الحَقْلِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ رَاعٍ، وَلاَ سَأَلَ رُعَاتِي عَنْ غَنَمِي، وَرَعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعَوْا غَنَمِي"(حز٨:٣٤).