حسنا فعل ​وزير الصحة​ الدكتور ​حمد حسن​ بالإعلان عن إنشاء الصندوق الحكومي لتلقي الهبات والتبرّعات لمساعدة ​الحكومة​ على توفير ​المستلزمات الطبية​ وتجهيز ​المستشفيات الحكومية​ بما يمكّنها من علاج المصابين بوباء كورونا التاجي الخطير… هذا القرار العملي المهمّ ينطلق من الحاجة الماسّة إلى الدعم والتبرّع، بسبب قلة الإمكانيات ​المال​ية لدى الحكومة و​وزارة الصحة​ نتيجة ​الأزمة​ المالية والاقتصادية التي يعاني منها ​لبنان​ من ناحية.. وانطلاقاً من أسئلة المغتربين عن طريقة المساهمة بتقديم الدعم المالي، والمساعدات والهبات التي تقدّمها جهات ومؤسسات دولية من ناحية ثانية…


على أنّ مواجهة وباء كورونا يحتاج إلى دعم عاجل، من قبل الأثرياء والمؤسسات المالية انطلاقاً من موجب التكافل الاجتماعي والتضامن الوطني في المحن والأزمات والحروب، ولبنان اليوم في محنة وأزمة ويواجه حرباً حقيقية، كما كلّ دول ​العالم​ يشنّها ​فيروس كورونا​ الذي يجتاح العالم من دون تمييز بين دولة وأخرى وبين شعب وآخر، وبين غني وفقير… فهو يستهدف جميع الناس.. وهو أمر كان قد أكد عليه امين عام ​حزب الله​ سماحة ​السيد حسن نصرالله​ في كلمته التي خصّصها لتعبئة الرأي العام وأكد فيها على أهمية الالتزام بالإجراءات الحكومية والتعليمات التي تعلنها ​وزارة الصحة العامة​ في مواجهة حرب كورونا، ووجه في السياق نداء الى المقتدرين لتقديم الدعم للحكومة، وخصّ المصارف بهذا النداء لتبرهن عن شعور بالمسؤولية الوطنية والمبادرة للإسهام بواجب تخصيص مبلغ من المال لدعم الحكومة كي تتمكن من تلبية احتياجات لبنان من المستلزمات والتجهيزات الطبية الضرورية لمواجهة ومكافحة الوباء والحدّ من انتشاره وحماية أرواح الناس…


القضية إذن لها بعد إنساني وأخلاقي ووطني يتجاوز اي تفكير ضيّق.. وتتطلب مبادرات ومساهمات سريعة…


على الرغم من أننا لم نسمع سوى عن مبادرات محدودة، لبعض الأحزاب والمؤسّسات الأهلية والروحية، وبعض الشخصيات والوزراء والنواب، الذين بادروا إلى التبرّع والمساهمة، وهذا قد يحفز آخرين في الأيام المقبلة على القيام بالمثل، إلا أنه حتى كتابة ونشر هذا المقال، لم تبادر ​جمعية المصارف​ إلى الاستجابة لتلبية نداء الواجب الإنساني والوطني والمجتمعي، وتعلن عن مبادرة من جانبها بتقديم دعم مالي لصندوق مكافحة وباء كورونا، وهي قادرة عليه، لا سيما أنها في زمن البحبوحة، والفوائد المرتفعة، قد جنت أرباحاً مهولة تقدّر بعشرات مليارات ​الدولار​ات… حتى الآن لم يصدر عن جمعية المصارف، ما يعكس شعورها بالمسؤولية تجاه الأزمة المالية الخطيرة التي عصفت بالبلاد منذ ما قبل 17 تشرين الأول الماضي، بل على العكس كانت كلّ قراراتها سلبية ساهمت في مفاقمة حدة الأزمة وابتزاز وإذلال المواطنين وحجز ودائعهم على نحو مخالف للقانون، والعقود المصرفية التي تلزمها باحترام حقوق المودعين.. وهي بالأمس سارعت الى استغلال قرار الحكومة إعلان التعبئة العامة في سياق إجراءات مكافحة كورونا، والحدّ من انتشاره، وأقدمت على اتخاذ قرار بإقفال المصارف، للتهرّب من دفع حتى الدولارات المقننة للمودعين، واضطرت أمس بعد اجتماع طارئ مع ​وزير المالية​ إلى التراجع والإعلان عن فتح جزئي للمصارف لتلبية حاجات الناس.. فهل تقدم على خطوة تكفر فيها عن كلّ ما اتخذته من قرارات سلبية واستغلال بشع لأزمات اللبنانيين، وتهريب جزء كبير من ودائعها إلى الخارج، والتقنين بدفع أموال المودعين بالدولار، وتقوم بمبادرة تستجيب فيها لموجب دعم بلدها وشعبها ودولتها لمواجهة حرب كورونا التي تطال الجميع دون استثناء بمن فيهم أصحاب المصارف؟


انه سؤال نترك الإجابة عليه برسم جمعية المصارف وغيرها من الأثرياء الذين تعدّ ثرواتهم بمئات الملايين من الدولارات؟


وبغض النظر عن الجواب، ما إذا كان سلبياً أو إيجابياً، فإنّ ذلك لا يجب أن يعفي الحكومة من اتخاذ قرار بحسم جزء كبير من ​الدين​ الداخلي العائد للمصارف وكبار الأثرياء الذين حصلوا على فوائد كبيرة تفوق كثيراً حجم اكتتاباتهم بسندات الدين.. في سياق الإجراءات التي ستتخذها الحكومة لإعادة هيكلة الدين الداخلي والخارجي.. من ضمن خطة إنقاذ البلاد من الانهيار، وأعنف أزمة مالية واقتصادية تتعرّض لها بفعل السياسات النيوليبرالية الريعية…