عندما وصلت أزمة ​الكورونا​ الى ​لبنان​ في شباط الماضي، لم يكن الناس قد تفّهموا بعد فكرة ​الحجر المنزلي​، ومع مرور الوقت أصبحوا اكثر تفهّما، ولكن هذا لا يعني أنّ استهتار البعض قد انتهى. لا شكّ أن طريقة تعاطي ​الحكومة​ و​وزارة الصحة​ تحديدا مع أزمة كورونا كانت مميّزة، ولا شكّ أيضا أن نسبة كبيرة من اللبنانيين التزموا وكانوا على قدر المسؤولية التي تفرضها الظروف، فخرجنا منذ شهر تقريبا من دائرة الخطر الكبير، ووضعت الحكومة مراحل العودة الى ​الحياة​، قبل أن ننتكس مجددا.

بعد دخولنا المرحلة الثالثة من العودة التدريجيّة للحياة الطبيعية في لبنان، وعودة دوران العجلة ​الاقتصاد​يّة ولو ببطء شديد، جاءت المرحلة الثانية من عودة المغتربين اللبنانيين لتخرب كل ما بنيناه خلال الأسابيع والأشهر الماضية. اذ تبين أنّ الجدّية الرسميّة بالتعاطي مع الملفّ لم تعد نفسها، وفساد عقول البعض غلب الضمير الحيّ، فمن المغتربين من زوّر فحوصات الكورونا ليدخل الى البلد، وينتقل الى منزله، ومنهم من اجرى الفحص وذهب الى منزله وعاش حياته بشكل طبيعي جدا، مما نقل العدوى بعدها بأيّام الى عدد من الأشخاص، ووضع المئات في دائرة الخطر.
إنّ قلّة مسؤوليّة هؤلاء المغتربين، جعلت ​الشعب اللبناني​ الملتزم بالحجر المنزلي، والذي عانى الأمرّين خلال المرحلة الماضية، يدفع الثمن مجددا، خصوصا أن هذا الوباء لا يعرف الرحمة، وكل ما يتحقّق من إيجابيّة قد يسقط بفعل متهوّر واحد لمغترب خالف الضوابط، وخالط الناس، وهذا الامر بكل تأكيد لا يستدعي إقفال البلد مجدّدا كما يحصل اليوم، بلّ الحلّ يكون بلجم هؤلاء العائدين، وحجرهم بالقوّة جميعا فور وصولهم الى لبنان، تماما كما فعلت عدة دول في هذا المجال.
في ​الكويت​ مثلا خصّصت الحكومة فنادق لحجر حوالي 60 ألف كويتي عائدين من الخارج، بغضّ النظر عن نتائج فحوصاتهم، فالنتيجة التي تصدر اليوم قد تتغيّر بعد 24 ساعة أو أكثر، لذلك كان إلزام المغتربين الراغبين بالعودة بالحجر لمدة 14 يوما. إن هذا الإجراء كان يجب أن يُطبّق في لبنان، خصوصا أنّ جهّات حزبية أعدّت العدّة لذلك، وأقامت مجمّعات وجهّزت فنادق للاستقبال، وبحال كانت ​الدولة​ قد وجدت ان كلفة حجر المغتربين إلزاميا عالية، فإنها بكل تأكيد لا تساوي شيئا نسبة لحجم الخسائر التي تنتج عن إقفال البلد وتوقّف الاقتصاد.
مغترب واحد في عكّار تسبّب بشلّ البلد مجدّدا، أو أقلّه كان من المتسبّبين الرئيسيين بذلك، الى جانب استهتار كثير من الناس، وهناك بعض المغتربين العائدين قدموا معلومات شخصية كاذبة لمنع متابعتهم من قبل المعنيين، والخروج من الحجر المنزلي وكأنّ الحياة طبيعيّة للغاية.
إن خلاصة الكلام، هي أن هؤلاء، بحال أرادت الدولة استمرار عودتهم، وبحال أرادوا هم العودة، عليهم أن يخضعوا للحجر الإلزامي مدة 14 يوما، فالإعتماد على ضمير الناس ووعيهم أثبت فشله، ويجب الاعتماد اليوم على قوّة الدولة والقانون، فأوّلا بات المطلوب تخصيص أماكن حجر إلزاميّة للمغتربين، وثانيا معاقبة المخلّين بالضوابط والإجراءات وذلك بحسب نص قانون العقوبات بمادته 604، والتي تنص على أنه "من تسبب، عن قلّة احتراز أو إهمال أو عدم مراعاة القوانين أو الأنظمة في انتشار مرض وبائي من امراض ​الإنسان​، عُوقب بالحبس حتى 6 أشهر، واذا أقدم الفاعل على فعله وهو عالم بالأمر من غير أن يقصد موت أحد عوقب بالحبس من سنة الى 3 سنوات فضلا عن الغرامة".
اذا، القانون واضح، وتطبيقه قد يضع حدّا للمتفلتين عديمي الضمير، وأيضا الإجراءات المطلوبة واضحة وعلى رأسها الحجر الإلزامي لا الطوعي، وبكل تأكيد فإن إقفال البلد لم يعد حلّا سليما، ولا سهلا على اللبنانيين.