يُنتقَد رئيس ​الحكومة​ حسّان دياب كثيراً على تصريحاته "المثيرة للجدل" في غالب الأحيان، خصوصاً حين يتمسّك بـ"نظرية المؤامرة" للردّ على كلّ هجومٍ تتعرّض له حكومته، أو حين يذهب لاتهام "شركائه" في الوطن بـ"الخيانة الوطنية" بسبب معارضتهم، من دون أن يقبل تسمية هؤلاء "الخَوَنة".

لكنّ كلّ هذه التصريحات والمداخلات في وادٍ، وما قاله دياب في الجلسة الأخيرة ل​مجلس الوزراء​ في وادٍ آخر، إذ نقل "المواجهة" إلى مكانٍ مختلف، مصوّباً سهامه بشكلٍ مباشرٍ على ​وزير الخارجية​ الفرنسي ​جان إيف لودريان​، الذي "لم يحمل" في زيارته الأخيرة إلى ​لبنان​ "أي جديد"، بل إنّه يعاني "نقصاً في المعلومات".
يُحسَب لدياب ربما أنّه خرج عن "الدبلوماسيّة"، وتجرّأ على قول ما لا يقوله المسؤولون اللبنانيّون عادةً، والذين لم يتردّد معظمهم في الإشادة بزيارةٍ بدا واضحاً أنّها كانت "مخيّبة للآمال"، ولكن لماذا قال ما قاله فعلياً؟ وهل "قطع" بذلك ما بقي من "شعرة معاوية" مع الفرنسيّين، ومن خلالهم مع ​المجتمع الدولي​ بالمُطلَق؟.

نمط مختلف...

مع أنّ زيارة وزير الخارجية الفرنسي انتهت كما بدأت، من دون أن تحقّق أيّ نتائج "عمليّة"، بعيداً عن "الإنجاز الوهميّ" الذي تباهى به كثيرون، والمتمثل بـ"كسر العزلة" التي يعاني منها لبنان منذ أشهر طويلة، فإنّ التصريحات "الرسمية" التي صدرت بعد الزيارة كانت كلّها "مرحّبة"، وذهبت إلى حدّ اعتبارها تكريساً للعلاقات "التاريخيّة" بين لبنان و"أمّه الحنون" كما توصَف.
وعلى رغم أنّ الخطة الفرنسية الموعودة قبل الزيارة "تبخّرت" خلالها، لتحلّ مكانها أدبيّات "التأنيب والتوبيخ" التي حضرت في كلام وزير الخارجية الفرنسي العلنيّ في مؤتمره الصحافي، كما السرّي خلال مداولاته مع المسؤولين اللبنانيين، وفق مبدأ "ساعدونا لنساعدكم" الذي اختاره "شعاراً" للزيارة، فإنّ أحداً لم يُبدِ "انزعاجه"، بل ذهب وزير الخارجية ناصيف حتّي لاعتبار هذا الكلام بمثابة "مصارحة بين الأصدقاء".
وحده رئيس الحكومة قرّر "التغريد" خارج "السرب"، فقال ما لم يقله غيره، بل تفوّه بما يتردّد المسؤولون ​اللبنانيون​ عادةً في قوله في الغرف المُغلَقة وداخل دوائرهم الضيّقة جدّاً، معلناً ما معناه أنّ زيارة لودريان إلى لبنان جاءت "فارغة" من حيث المضمون، وأنّ نتيجتها العمليّة، وربما الملموسة الوحيدة، ليست سوى تأكيد وجود قرارٍ دولي يقضي بـ"عدم مساعدة لبنان حتى الآن"، في تكرارٍ أصلاً لما كان يقوله طيلة الأسابيع الماضية عن "حصارٍ دوليّ" مفروض على حكومته، بمُعزَلٍ عن شروط "الإصلاح" التي يكثر الحديث حولها.
ومع أنّ كلام دياب يمكن أن يُعطى مقاربتين متناقضتين، بين من يعتبره "واقعياً وجريئاً" وهو ما يُحسَب للرجل، وبين من يرى فيه "معاداة" لأصدقاء لبنان، وبالتالي إقفال الباب أمام أيّ انفراجٍ ممكنٍ في المدى المنظور، فإنّ المقاربة "الموحّدة" تكاد تكون أنّ الرجل، بشخصيته "الفريدة"، ولو كانت مثيرة للجدل وما هو أكثر منه، يسعى لتكريس "نمط جديد" في الحكم، علماً أنّها ليست المرّة الأولى التي يخرج فيها عن الدبلوماسية في تصريحاته، وسبق له أن هاجم عدداً من السفراء، وهو كلامٌ أثار في وقتها أيضاً الكثير من "الضجّة".

بين "الامتعاض" و"الواقعية"...

لكنّ "فرادة" دياب هذه لا يمكن أن تكون مُطلَقة، كما يرى بعض المتابعين، بل تتطلب مقاربة "شاملة" لقضيّة حسّاسة بهذا الحجم، خصوصاً أنّ "مصير" لبنان يُرسَم في هذه المرحلة، ما يعني أنّ "معاداة" المجتمع الدولي لن ينتج عنها سوى "زيادة الطين بلّة"، علماً أنّ بعض "التسريبات" أوحت أنّ بعض الوزراء في الحكومة لم يكونوا راضين عن هجوم دياب غير الدبلوماسيّ.
هنا تتجاذب وجهتا نظر في الحديث عن أسباب كلام دياب الناريّ، تنطلق أولها من "تجربته الشخصية" مع وزير الخارجية الفرنسي، حيث كانت "الكيمياء" مفقودة بين الجانبين خلال اللقاء الذي جمعهما، والذي تقول المُعطيات إنّ الجانب الفرنسي لم يكن راضياً عنه من حيث الشكل أولاً، لأنّ دياب أحضر معه عدداً من الوزراء والمستشارين، في حين كان يفترض أن يكون ثنائياً. أما "امتعاض" دياب فكان على أسلوب المسؤول الفرنسيّ الذي أصرّ على موقفه، رغم أنّ رئيس الحكومة قدّم له "جردة" بما يعتبرها "إنجازات" حقّقتها حكومته، حتى أنّ هناك من قال إنّ المسؤول الفرنسي "سخر" من قرار الاتفاق على التدقيق الجنائي بحسابات ​مصرف لبنان​، ورَبَطه بزيارته، كونه لم يأتِ سوى بعد تحديد موعدها، بعد أشهر من "المماطلة".
وإلى جانب "امتعاض" دياب هذا، يتحدّث المحيطون به عن "واقعية" أراد اعتمادها في مقاربة الزيارة، خصوصاً بعد "الضخ المكثّف" إعلامياً للحديث عن أجواء مغايرة ولا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، قبل وخلال وبعد الزيارة، وهو ما تجلّى بالتسريبات عن خطّةٍ لمساعدة لبنان، لا يرى هؤلاء أنّها "تبخّرت"، بل يعتقدون أنّها لم تكن موجودة من الأساس. ويرفض هؤلاء القول إنّ رئيس الحكومة "يجرّ" لبنان بمثل هذه التصريحات إلى "المواجهة" مع المجتمع الدولي، تحت عنوان "الصراحة"، انطلاقاً من أنّ هذه "المواجهة" حاصلة، وأنّ "الحصار الدوليّ" الذي يُنتقَد دياب على إثارته بين الفينة والأخرى، موجودٌ شاء من شاء وأبى من أبى، وما زيارة لودريان وحيثيّاتها "غير الملتبسة"، سوى الدليل الساطع على ذلك، والذي لا يحتمل أيّ نقاش.

"لمن نشكو"؟!

على جري العادة، أثارت تصريحات رئيس الحكومة خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، وجلسة ​المجلس الأعلى للدفاع​، الكثير من الضجّة، و"القيل والقال".
ولعلّ التصريحات التي لم تمرّ مرور الكرام، تمثّلت بالأسئلة التي وجّهها حول الأجهزة القضائية والأمنية والدور الذي تلعبه، ما دفع الكثير من المغرّدين "الافتراضيّين" إلى تذكير دياب بأنّه رئيس الحكومة، وأنه من يفترض به الإجابة على هذه الأسئلة، لا طرحها، علماً أنّ وزيرة الدفاع ​زينة عكر​ نفسها كانت واضحة بقولها "نحن الحكومة... فلمن نشكو؟".
لكن، أبعد من ذلك، قد تسجَّل "صراحة" الرجل له، خصوصاً بابتعاده عن الدبلوماسية، إلا أنّها "صراحة" تبقى أكثر من "منقوصة" طالما أنّها تقف عند حدّ "البكاء على الأطلال"، في حين يفترض أن تترافق مع "جدية" فعليّة في "المواجهة"، عبر المضيّ إلى الأمام بـ "الإصلاحات"، خصوصاً أنّ نشاط دياب على خطها يبقى في إطار "البروباغندا"، ولو كان "بارعاً" على خطّها...