على عكس توقعات الكثيرين، لم يكن خطاب أمين عام "​حزب الله​" ​السيد حسن نصرالله​ تصعيديًّا، تعليقاً على الكارثة التي وقعت في مرفأ ​بيروت​، بل على العكس من ذلك سعى إلى امتصاص موجة الاتهامات التي تعرض لها منذ اللحظة الأولى، نافياً ما تضمنته على مستوى الحديث عن وجود مخزن أسلحة أو ​صواريخ​ تابع للحزب في المكان، وداعياً إلى ترك ال​تحقيق​ات تكشف حقيقة ما حصل على أرض الواقع.

وفي حين لم يتأخر السيد ​نصر الله​ في الإعلان عن وضع كافة إمكانات الحزب بتصرف الدولة ال​لبنان​ية، بعد أن أثنى على المشهد الشعبي الذي كان طاغياً، أكد أن الحزب ينظر بإيجابية إلى كل مساعدة قد تقدم من الدول الشقيقة والصديقة، لا سيما إذا ما جاءت في سياق الدعوة إلى لم الشمل، معتبراً أن المشهد الخارجي إيجابي ويفتح فرصة أمام لبنان للخروج من حالة الحصار.
على الرغم من الخطاب الهادئ، إلا أن أمين عام "حزب الله" كان حاسماً في توجيه بعض الرسائل السياسية اللافتة، والتي من المتوقع أن تكون مدار سجالات من العيار الثقيل، أبرزها تلك التي تتمثل في تجاهل الدعوات إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية، التي صدرت عن القوى والشخصيات التي كانت منضوية في تحالف قوى الرابع عشر من آذار، حيث قدم خيارين أمامها: الأول هو تكليف ​المؤسسة العسكرية​ بالتحقيق، على قاعدة أنها تحظى بثقة الجميع، أما الثاني فهو الذهاب إلى تحقيق مشترك بين ​الأجهزة الأمنية​ والعسكرية المحلية.
وبالتالي، ليس وارداً لدى "حزب الله" الموافقة على تكرار سيناريو التحقيق الدولي الذي حصل بعد جريمة اغتيال رئيس ​الحكومة​ الراحل ​رفيق الحريري​، نظراً إلى أن التجربة التي لديها على هذا الصعيد غير مشجعة، ومن الممكن منذ اليوم الجزم بأن أي تحقيق دولي سيذهب في نهاية المطاف إلى تحميل الحزب، بطريقة أو بأخرى، المسؤولية، انطلاقاً من الرغبة في التسييس التي ظهرت منذ اللحظات الأولى لهذه الكارثة، والتي كان السيد نصر الله قد تحدث عنها في بداية خطابه، من خلال الإشارة إلى ما بثّته وسائل إعلام محلية وعربية وقوى سياسية محلية.
وفي إطار الرد على ما وصفه بـ"المظلومية" التي تعرض لها، جزم السيد نصر الله بأن "حزب الله" يعرف ما يحصل في مرفأ حيفا أكثر مما يعرف في ​مرفأ بيروت​، لأن مسؤوليته الأساسية هي ​المقاومة​، وهو لا يدير أو يسيطر أو يتحكم بالمرفأ، مع العلم أن الاتهامات التي تساق في هذا المجال تأتي في إطار السعي إلى تحقيق أحد الأهداف التي كانت مطلوبة خلال عدوان تموز 2006، أي وضع المرفأ و​المطار​ والحدود البرية تحت الوصاية الدولية، والنفي الرسمي لهذه الاتهامات من جانب السيد نصر الله يأتي في إطار قطع الطريق أمام مثل هذا التوجه، حتى ولو لم يتحدث عن ذلك بشكل مباشر.
وعلى الرغم من أهمية الرسائل المذكورة في الأعلى، إلا أن تلك التي وردت في الشق الثاني من الخطاب كانت أكثر أهمية، ولا تتوقف عند الدعوة إلى التحقيق والمحاسبة بكل شفافية وجدّية، بل تشمل أيضاً وضع مصير ​الدولة اللبنانية​ أو الأمل في بنائها على المحك، انطلاقاً من الطريقة التي سيتم فيها التعامل مع هذه الفاجعة، في مؤشر إلى أن السيد نصر الله يدرك جيداً الخطر الكامن في فقدان المواطنين ثقتهم بالدولة والأجهزة الرسمية، الأمر الذي دفع بعضهم إلى الطلب من الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون​، خلال زيارته إلى بيروت، احتلالهم أو العودة إلى نظام الانتداب من جديد.
بالتزامن، كان من اللافت ربط أمين عام "حزب الله" كل الدعوات إلى ​محاربة الفساد​، التي كانت تصطدم بالعديد من العراقيل، بالكشف عن حقيقة ما حصل على مرفأ بيروت، عبر التأكيد بأن هناك جزءاً من القضية يتعلق بالإهمال والتقصير والفساد، بعيداً عن التكهنات حول ما إذا كان الحادث عملا مدبّرا أم لا، ما يعني أن عدم الوصول إلى نتائج فعلية في هذا الملف، الذي هزّ جميع اللبنانيين، يعني عدم القدرة على الوصول إلى نتائج في أيّ ملف آخر.
في المحصّلة، هذا الخطاب، لن يبقى دون رد من جانب القوى المعارضة لـ"حزب الله"، لا سيما تلك التي تسعى إلى استغلال الفاجعة للذهاب إلى إسقاط الحكومة أو العهد أو تدويل ​الأزمة​ المحلّية، لكن الأكيد هو أن وضع مصير الدولة أو الأمل في بنائها في ​المستقبل​ هو النقطة المفصلية التي تهم جميع اللبنانيين، الذين فقد معظمهم الثقة بها نتيجة ممارسات من تعاقبوا على ​السلطة​ على مدى السنوات الماضية.