فتحَ إنفجار المرفأ الدَموي فجوة على مُستوى المُقاطعة الدبلوماسيّة والسياسيّة القاسية التي كان يتعرّض لها ​لبنان​ في المرحلة الأخيرة. لكنّ التحرّك المُستجدّ تجاه ​بيروت​، تحت العنوان الإنساني، يحمل في طياته الكثير من التدخلات السياسيّة. فما هي المَعلومات المُتوفّرة في هذا الصدد؟.

لا شكّ أنّ وكيل ​وزارة الخارجية​ الأميركيّة لشؤون الشرق الأدنى، ​ديفيد هيل​، الذي يُواصل زيارته إلى بيروت يحمل أكثر من ملفّ كانت الإدارة الأميركيّة تُتابعه مع السُلطات اللبنانيّة، وأبرز هذه الملفّات:
أوّلاً: مسألة ترسيم الحُدود ​الجنوب​يّة للبنان، في ضوء ما أعلنه رئيس مجلس النوّاب ​نبيه برّي​ أخيرًا، من أنّ هذا الملفّ قطع شوطًا بعيدًا وصار في خواتيمه، حيث يُتوقّع أن يضغط المبعوث الأميركي بإتجاه إنهاء ​ترسيم الحدود​ البحريّة، لتجنيب المنطقة مُشكلة سياسيّة-أمنيّة إضافية، وللسماح بإنطلاق أعمال ​التنقيب​ في البُقع المُتنازع عليها، خاصة من قبل الجانب الإسرائيلي، وبطبيعة الحال في البلوك رقم 9 من الجانب اللبناني.
ثانيًا: ملفّ تعديل مهمّات قوّات "​اليونيفيل​" العاملة في الجنوب، عبر صيغة تقضيبتفعيل سُلطاتها وتوسيع مهمّاتها، حيث تضغط الإدارة الأميركيّة حتى لا تكون عمليّة التجديد للقوّات الدَوليّة تلقائية، إحتجاجًا على ما تعتبره كضعف في فعاليّة هذه القوّات. وتلوّح الإدارة الأميركيّة بورقة وقف تمويلها للقوّات الدَوليّة، وحتى بخفض عديدها بشكل كبير، للضغط على السُلطة في لبنان. وأوراق الضغط بيد هيل، تشمل أيضًا تسريبالولايات المتحدة الأميركيّة إستعدادها لفرض عُقوبات جديدة بحقّ شخصيّات لبنانيّة، من رجال ​السياسة​ و​الإقتصاد​، مُصنّفة في خانة حُلفاء "​حزب الله​".
ثالثًا: ملف الإصلاح الإقتصادي والمالي و​القضاء​ على ​الفساد​ المُستشري و​تحقيق​ المُساءلة والشفافية، هو عناوين نظريّة للمطالب الأميركيّة التي تتركّز على "سيطرة ​الدولة​ على نطاق واسع من خلال المؤسسات العاملة"، أي عمليًا على قصّ أجنحة "حزب الله" في لبنان، حيث تضغط الإدارة الأميركيّة لإبعاد أيّ مُمثّلين للحزب عن الحُكومة المُقبلة، وهو ما يرفضه "حزب الله" بحزم.
وليس بسرّ أنّ التحرّك الأميركي نحو لبنان، يتزامن مع حركة دبلوماسية ناشطة، ومع حركة موفدين إلى لبنان من مصر و​إيران​ وغيرهما، وهو يأتي أيضًا غداة تحرّك لا يقلّ أهمّية، قام به الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون​ الذي أطلق مُبادرة مُتكاملة خلال زيارته بيروت أخيرًا،تتضمّن أكثر من شقّ، علمًا أنّ الأخير سيعود إلى لبنان مطلع أيلول المُقبل، ليُواصل مساعيه لإخراج اللبنانيّين من محنتهم الحالية. وفي هذا السياق، وإضافة إلى شق الإغاثةالإنسانيةالفوريّة، والمُساعدات الطبيّة والإستشفائيّة والغذائيّة، يعمل الرئيس الفرنسي عبر سلسلة من الإتصالات الدبلوماسيّة مع عدد من دُول القرار، وكذلك مع دول إقليميّة مُؤثّرة في الوضع اللبناني، على إيجاد مخارج للأزمات المُتعدّدة التي يتخبّط فيها لبنان. وتتضمّن الخطة-المُبادرة التي أطلقها ماكرون، أجزاء مُتسلسلة، هي:
أوّلاً: تشكيل حُكومة جديدة تكون مُهمّتها الأساسيّة إعادة الإستقرار الداخلي، وتهدئة الأوضاع وخفض مُستوى توتّر الخُطاب السياسي، تمهيدًا للإنطلاق في مُعالجة الأزمات والمصائب الكثيرة التي توالت على لبنان.
ثانيًا: إطلاق الإصلاحات الإدارية والإقتصاديّة والمالية، إلخ. التي طال إنتظارها، لكن من دون كيديّة ومن دون أيّ إجراءات إنتقاميّة بحقّ أي جهة، والعمل على إعادة توحيد الجُهود بين مُختلف القوى اللبنانيّة.
ثالثًا: تحضير الأجواء لإعادة إطلاق المُفاوضات مع صُندوق النقد الدَولي، وكذلك إعادة تحريك قرارات "​مؤتمر سيدر​"، ومُعالجة مُشكلة دُيون لبنان الماليّة الخارجيّة.
في الختام، لا بُد من التذكير أنّ الأسابيع القليلة المُقبلة ستحمل المزيد من الحركة الدبلوماسية، حيث يتوقّع أن يزور مساعد ​وزير الخارجية​ الأميركيّة ​ديفيد شينكر​ لبنان نهاية الشهر الجاري، من دون إستبعاد أن يُعرّج وزير الخارجية الأميركي ​مايك بومبيو​ على بيروت أيضًا، في نهاية زيارة أوروبية له. كما ينتظر لبنان عودة الرئيس الفرنسي مطلع أيلول المُقبل، لإستكمال مُبادراته، في ظلّ خُطوط تواصل مَفتوحة ما بين ​باريس​ و​واشنطن​، وما بين باريس وكل من ​موسكو​ و​طهران​ أيضًا، وكذلك في ظلّ تعقيدات كبرى على خط واشنطن-طهران. وفي الإنتظار، الأكيد أنّ أسابيع حامية تنتظر لبنان الذي سيُواجه مَخاضًا عثيرًا خلال الأيّام والأسابيع القليلة المُقبلة، في ظلّ التحرّكات والضُغوط الدَوليّة. وقريبًا ستتحدّد الخُطوط ​العريضة​ للمرحلة ​الجديدة​، علمًا أنّ محطّة إعلان حُكم المحكمة الدَولية في 18 من الشهر الحالي ستفتح الباب بدورها، أمام المزيد من الخضّات والتدخّلات والضُغوط.