كلمة والِدَةُ الإلَهِθεοτόκοςمركّبة منθεόςأي الله وΤόκος(مولِد) مِن الفعلτίκτωوتعني يلِد، وهنا تعني خروج الجنين مِن الرحم.

الرّبّ ​يسوع المسيح​ مولود غير مخلوق، بمعنى أنّه لم يولد من أب بشريّ ولا هو مجبول بيد، بل هو إله كامل مولود من الله الآب خارج الزمن، وعندما تجسّد أصبح أيضًا إنسانًا كاملاً مولودًا من ​العذراء​ مريم في الزمن. فجمع بتجسّده الطبيعة البشريّة مع الطبيعة الإلهية.
فكَما تَجَسَّدَ اللهُ لِيُصبِحَ الإِنسانُ إِلهًا، هكذا هي مريمُ، نَموذَجُ قَداسَةِ الإِنسانِ الَّذي يَتَلَفَّظُ بِما تَلَفَّظَتْ بهِ أمامَ دَعوَةِ اللهِ لَها عِندَما قالَتْ لِلْمَلاكِ: هوذا أَنا أَمَةُ الرَّبِّ، لِيَكُنْ لي بحَسَبِ قَولِكَ.
جَوابُ مَريمَ هذا، هُوَ العُنوانُ العَريضُ لِلتَّأَلُّهِ. فاللهُ يَدعو وَالإِنسانُ يَقولُ: آمين.


وليسَ لِلْقداسَةِ مَصدَرٌ آخَرُ غَيرُ اللهِ، مِن هُنا ابتَهَلَتْ مَريَمُ في تَسْبِحَتِها قائِلَةً: "تُعَظِّمُ نَفسي الرَّبَّ وتَبتَهِجُ روحي باللهِ مُخَلِّصي"(لوقا ٤٦:١).
الرب يسوع المسيح هو المُخَلِّصُ الوَحيدُ، وَما من مُخَلِّصٍ آخرَ نَدنو منهُ. ولَوِ اقتَرَبْنا أَكثَرَ مِن إيقونَةِ والدَةِ الإِلهِ لَسَمِعْنا ما خاطَبَنا بِهِ القدّيس يوحنّا الإِنجيلِيُّ قائِلاً: "انظروا إلى الَّذي كان من البَدْءِ، وبِغَيرِهِ لَم يَكُنْ شَيءٌ مِمّا كانَ، والَّذي فيهِ كانَتِ الحَياةُ والحياةُ كانَتْ نورَ النّاسِ"(يوحنا ١:١).
نعم، هذا هو الإله الذي تَحْمِلُهُ العَذراءُ مَريمُ بَينَ ذِراعَيها: الرَّبُّ القَديرُ الَّذي صَنَعَ بِها عَظائِمَ، واللهُ الَّذي ارْتَضى أَنْ يولَدَ من أَحشاء امرَأَةٍ طاهِرَةٍ نَقِيَّةٍ.

وَتُكْمِلُ مريَمُ مَعَ التِّلميذِ الحَبيبِ لِتُعلِنَ أيضًا: "الكَلَمِةُ صارَ جَسَدًا وحَلَّ بَينَنا "(يوحنا ١٤:١). فَما لَمَسَتْهُ يَدَيها تُخبِرُنا بِهِ لِكَيْ يَكونَ لَنا شَرِكَةٌ مَعَهُ وَيَكونَ فَرَحُ السَّماءِ كامِلاً.
الخالق أَصْبِحَ إِنسانًا. هنا السِّرُّ بِكامِلِهِ وهنا الفرح والخلاص.
وكلّ إيقونة لوالدة الإله تَأخُذُنا في مَسيرَةِ هذا السِّر، فنعلن مع سِمعانَ الشَّيخِ: "ها إنَّ أَعيُنَنا قد أَبصَرَتْ خَلاصَ اللهِ"، فَلا نكتفي بأن نَنضَمُّ مَع النَّبِيَّةِ حَنَّةَ إلى المُنتَظِرينَ فِداءَ الرَّبِّ وخَلاصَهُ، بل نعترف أنّه تم.
وعلى الرَّغمِ مِن سُكونِ مَريمَ وصَمتِها الدّائِمِ، نَراها تَدعونا جَميعًا بِأَعلى صَوتِها لِتَقولَ لَنا ما قالَتهُ لِلْخُدّامِ في عُرسِ قانا الجَليل: "مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ"(يوحنا ٥:٢).
فَطوبى لِلَّذي يُصغي إلى هذا القَولِ ويَعمَلُ بِهِ ويَنمو عَلَيهِ فيتألّه. وها هي الشّاهِدَةُ العَظيمَةُ، مَنْ هي أَكرَمُ مِنَ الشّيروبيمِ، تَنتَصِبُ أَمامَنا حامِلَةً بَينَ ذِراعَيها مَنْ لا يَسَعُهُ الكَونُ.
وَقَد أَتَتْ هذه الوِلادَةُ العَجيبَةُ منها تَرجَمَةً لِحياتِها النَّقِيَّةِ وصَبرِها وجِهادِها وتواضعها وطهارتها. فَبِقَدرِ ما كانَ يُريدُ اللهُ أنْ يَتَجَسَّدَ، كانَ يُريدُ أنْ تَقبَلَ العَذراءُ، بِمِلءِ حُرِّيَّتِها، هذا التَّجَسُّدَ، لأَنَّهُ لا يَفرِضُ نفسَهُ ولا يلغي حريّة ​الإنسان​. وها مَريَمُ، بِإِرادَتِها الكامِلَةِ، قَبِلَتْ أنْ تُصبِحَ والدةَ الإِلهِ.


ولَو أَنعمنا النَّظَرَ في إيقونَات ِ والِدَةِ الإِله، لأَخَذَتْنا الدَّهشَةُ وَغَمَرَنا التَّعَجُّبُ والفَرَحُ. فمَريَمُ الإِنسانَةُ تُقُدِّمُ لِلْبَشَرِيَّةِ الإِلهَ المُتَجَسِّدَ. وهي تَسأَلُ النّاظِرَ إلى إيقونَتِها أَنْ يُشارِكَها هذا القَبولَ ويُجَسِّدَ اللهَ في حَياتِهِ؛ فَهَلْ مِن دَعوَةٍ تُوَجَّهُ إِلَينا أَسمى مِن هذه الدَّعْوَةِ؟.
وهكذا، كُلُّ قَبولٍ لِهذا التَّجَسُّدِ في حَياتِنا يَتَطَلَّبُ مِنّا الإِصغاءَ الكامِل وَالسَّماعَ لكلمة الله والعمل بها، وهذا يمرّ أوّلًا بالتواضع وإفراغ للذات. فهَلْ نَحْنُ مُستَعِدّونَ لِهذا المَجدِ العَظيمِ؟.
هذا بِالتَّحديدِ ما عَناهُ الرَّبُّ يَسوعُ عِندما قالَ: "مَن يَصنَعْ مَشيئَةَ أَبي الَّذي في السَّماواتِ فهو أُمّي وإِخوَتي"(متى ٥٠:١٢). ومَن في هذه المَسكونَةِ عَمِلَ بِهذهِ المَشيئَةِ الإِلهِيَّةِ أَكثَرَ مِن والدَةِ الإِلهِ نَفسِها؟.

فلنعبر مع والدة الإله إلى العمق. فالجمال في إيقونات والدة الإله ليس جمالًا أرضيًّا بل "جمال إلهيّ"، وهو بعيد كل البعد عن مقاييس الجمال البشريّ، إذ هو جمال النور والنعمة الإلهيّتين المنسكبين على القدّيس، فكم بالأحرى والدة الإله الممتلئة نعمة.
ولا يُمكِنُ إِدراك هذا الأمر إِذا بَقينا واقِفينَ في الخارِجِ نَنْظُرُ بعيونٍ تُرابِيَّةٍ مِن دون الروح. وَلا سَبيلَ لهذا العبور خارجَ التَّدبيرِ الإِلهِيِّ ومَحَبَّةِ اللهِ اللاّمَحدودةِ لِلبَشَرِ. الله بادر وينتظر جوابنا.
خلاصة، تقودنا والدَةِ الإِله إلى المسيح. هي تتقدّم المُؤمِنينَ وتَسبِقُهم وهُم يَتبَعونَها. سَبَقَتْنا في وِلادَتِها المُخَلِّصَ وسَبَقَتنا في رُقادِها، وقَد رَفَعَها الرَّبُّ فَعَبَرَتِ المَوتَ المَغلوبَ بِابْنِها القائِمِ في اليومِ الثّالِثِ، وها نَحنُ في كل جيل وجيل نطلب شَفاعَتِها.
فبشفاعة والدة الإله يا مخلّص خلّصنا.