تُظهر كلُّ متابعة سياسية أن لبنان يستعد للبدء في مرحلة جديدة. يقتصر التغيير في مفهوم قوى سياسية على إستبدال الموازين بين موالين ومعارضين، وهنا تتم الإستعانة بالمطالبة بإجراء إنتخابات نيابية مبكرة، لإعتبار هؤلاء أن الظروف الاجتماعية الداخلية تغيّرت، والنقمة الشعبية على السلطة بسبب الأزمة الإقتصادية تزايدت. لذا، يمتطي هؤلاء أحصنة الصناديق الانتخابية في سبيل إزاحة قوى محدّدة، للجلوس مكانها. من هنا تنطلق الأحزاب المعارضة حالياً، كالكتائب والقوات، في المعركة السياسية ضد التيار "الوطني الحر". لكن اللبنانيين يعرفون أن هذا النموذج من المعارضة لا يصحّ إنطلاقاً من مشاركة أولئك المعارضين بحكومات سابقة، وبالتالي هم يتحملون مسؤولية نسبية في شأن إدارة البلد.
لا يُحقّق هذا النوع من التغيير هدفاً شعبياً، ولا هو يؤدي غرضاً وطنياً، بقدر ما يشكّل مراوحة سياسية في لعبة اللبنانيين الديمقراطية ضمن أطر النظام واعرافه وعاداته وأزماته.
هناك نوع آخر من التغيير المنشود عند قوى طائفية وسياسية، يقوم على أساس السباق في المحاصصات وتوسيع النفوذ داخل السلطات التشريعية والتنفيذية، من خلال جذب الرأي العام بعناوين تهشّم الفريق الآخر. أيضاً لا يحقّق هذا النوع تغييراً جوهرياً، كما اظهرت السنوات الماضية في لبنان، عندما تسابقت قوى "٨ و ١٤ آذار" للإمساك بمقاليد السلطة.
يوجد نوع تغييري تترسّخ مفاهيمه عند شرائح تسمّي نفسها "الثورة الشعبية" التي ترغب بالإطاحة الكاملة بكل القوى السياسية تحت عنوان شهير "كلن يعني كلن". وهو العنوان الذي تمّ رفعه منذ إنطلاق تظاهرات ١٧ تشرين الأوّل الماضي. لكن "الثوار" فشلوا في إحداث أيّ تغيير عملاني، لأن الساحات عادت إلى الفرز الطائفي والمذهبي، رغم وجود مجموعات "ثورية" متأهبة عند كل حدث. تستفيد تلك المجموعات من سخط وقلق اللبنانيين معيشياَ وإقتصادياَ، خصوصاً أنّ الأزمة المالية المستمرة أصابت كل الطبقات في حساباتهم المصرفية، وأنتجت بطالة تتمدّد على مساحة كل قطاعات العمل.
أمام كل مشاريع التغيير، لم يجد اللبنانيون ضالتهم بعد. لماذا؟ لأن كل تلك العناوين التغييرية لا تلبّي طموحات الناس. لا يريد اللبنانيون مزيداً من الأزمات، لذا، هم يرغبون بالوصول الى بلد يحترم إنسانه، ويحاكي الأجيال الجديدة بنظام عصري لا يميز بين الأفراد على أساس طوائفهم او مذاهبهم، ولا يقيس القدرات بحسب المحسوبيات والوساطات والمحاصصات. لقد وصل اللبنانيون إلى مرحلة باتوا يبحثون فيها عن وطن جديد.
لا يُمكن لأي فرد في لبنان ان ينكر الحاجة الى ذاك الوطن. كيف؟ جرب اللبنانيون كانتونات الطوائف في الحرب والسلم. ماذا أنتجت؟ أزمات على كل المستويات في بلد لا يمكن تقسيمه بسبب صغر مساحته، ولا سيطرة فريق على آخر بسبب طبيعة ديمغرافيته. لم يبق امامنا الا الدولة المدنية التي تحترم الإنسان بحسب كفاءاته.
انتهى لبنان الحالي، وبات البحث عن لبنان الجديد قائماً الآن. وبما ان كل الصيغ سقطت بالتجربة العملية. فلنجرب لبنان الدولة المدنية. لا وجود لبدائل أخرى. انه لبنان الجديد. متى؟ سيبدأ السير بمشروع التغيير بعد تأليف حكومة جديدة ووضع قانون انتخابي عصري غير طائفي، الى جانب تأسيس مجلس الشيوخ، فتشكّل تلك الخطوات مدماك المرحلة الجديدة، بدل أن يتوه اللبنانيون مجدّداً بمشاريع جرّبوها وسقطت سابقاً في الحرب والسلم وحالياً بالأزمة المفتوحة الى حين ولادة النظام الجديد. هو ما أشار اليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قلب بيروت بحديثه عن وجوب تأسيس نظام سياسي جديد في لبنان.




















































