لا تبدو العقوبات الأميركية المستجدّة التي شملت، في آخر "تحديثاتها"، الوزيرين السابقين ​علي حسن خليل​ عن حركة "أمل"، و​يوسف فنيانوس​ عن تيار "المردة"، مجرّد "تفصيلٍ" في المشهد السياسيّ، الآخذ في "التفاقم" على وقع "الكوارث اليومية" التي "تجتاح" البلاد من كلّ حدبٍ وصوب.

فعلى رغم أنّ هذه العقوبات تمّ التمهيد لها على مدى الأسابيع الماضية، عبر "تسريباتٍ" إعلاميّة وسياسيّة بالجملة، إلا أنّها أتت "مفاجئة" في المضمون، لأكثر من اعتبار، أولها لجهة التوقيت المتزامن مع مفاوضات تأليف ​الحكومة​ المحصَّنة بـ "المبادرة الفرنسية"، وثانيها لجهة شمولها حسن خليل، وهو المُصنَّف على أنّه "اليد اليُمنى" لرئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​.
لكن ثمّة من يعطي هذه العقوبات بُعداً آخر، بدلالاتٍ أعمق، يتمثّل في "استثناء" رئيس "​التيار الوطني الحر​" الوزير السابق ​جبران باسيل​، بعدما كان اسمه الأكثر تداولاً في معظم التسريبات حول "أهداف" العقوبات المرتقبة، ولو سارع البعض إلى "تبشير" الرجل بأنّ للعقوبات "مُلحقاً" في الأيام المقبلة، لا شكّ أنّ اسمه سيَرِد ضمنه.
لكن، بين العقوبات المفروضة وتلك الموعودة، ثمّة من يسأل بجدّية عمّا إذا كانت هذه العقوبات ستنجح هذه المرّة في تحقيق غاياتها المنشودة، والمُعلَنة، ألا وهي عزل "​حزب الله​"، خصوصاً بعدما خرجت للمرّة الأولى من فلك "دائرته الضيّقة"؟!.

تطوّر "نوعي"!

صحيحٌ أنّ العقوبات الأميركيّة قوبِلت باستهزاءٍ واستخفافٍ، على جري العادة، من جانب المعنيّين، ولا سيما "حزب الله"، إضافةً إلى المُستهدَفين بها، أي حركة "أمل" و"​تيار المردة​"، حيث تكرّرت العبارات "المبدئيّة" عن كونها "وسام شرف" وما إلى ذلك، فضلاً عن التشديد على أنّها لا يمكن أن تغيّر من القناعات والثوابت "قيد أنملة".
لكنّ الصحيح أيضاً أنّ هذه العقوبات، وبمُعزَلٍ عن "المقدّمات" التي سبقتها وفتحت الطريق أمامها، وبغضّ النظر أيضاً عن "أسبابها الموجبة" التي وجدت في "​الفساد​" شمّاعة كما يرى البعض ممّن يعتبر أنّ التهَم أسقِطت بعد اختيار "الأهداف"، وليس العكس، تشكّل "تطوراً نوعياً" على خط العلاقة أو الصراع بين "حزب الله" و​الإدارة الأميركية​، باعتبار أنّ العقوبات التي لطالما استهدفته، كانت دائماً تقف عند حدود "بيئته"، من دون أن تطرق باب "الأصدقاء" من خارجها، إلا من باب "التهويل" إن وُجِد.
هذه المرّة، تحوّل "التهويل" إلى "واقع"، وشملت العقوبات حلفاء سياسيّين لـ "حزب الله"، بما ينسجم مع الهدف الذي تضعه إدارة الرئيس ​دونالد ترامب​ نصب أعينها، وهو "عزل الحزب"، أو بالحدّ الأدنى، "تضييق الخناق" عليه لأقصى درجة مُتاحة، و"إبعاد" حلفائه عنه، علماً أنّ مسؤولين أميركيّين "كمّلوا" هذا الهدف بتصريحاتٍ أرادوا منها إيصال رسالةٍ واضحةٍ أسقطت من الحسابات الأميركية مقولة "الحزب السياسي"، وتوعّدت كلّ "متعاونٍ" معه، أياً كان شكل هذا التعاون، بالمزيد من العقوبات.
ولعلّ "استثناء" الوزير السابق جبران باسيل من هذه "الدفعة" من العقوبات، كما يقول العارفون، تأتي في هذا الصدد، لتشكّل العقوبات على حسن خليل وفنيانوس رسالة "إنذارٍ" موجّهة لرئيس "التيار الوطني الحر" بالدرجة الأولى، ليُبنى "المقتضى" على ردّة فعله، علماً أنّ هناك من قرأ في "​النأي بالنفس​" الذي اعتمده باسيل في مقاربة العقوبات، ولو بصورةٍ نسبيّة، "تلقّفاً للرسالة"، تفادياً لأيّ "دعسة ناقصة" يمكن أن يتسلّل منها "المغرضون" للتحريض عليه في دوائر صنع القرار الأميركيّة.

وجهتا نظر...

يحاول البعض التقليل من شأن هذه القراءة، عبر "الإيحاء" بأنّ نأي باسيل بنفسه عن العقوبات، عائدٌ لكونه غير معنيّ بها من قريب أو بعيد، كما أنّ المشموليْن بها هما من "خصومه الشرسين"، وبالتالي فهو ليس معنيّاً بالدفاع عنهما، ولو كان يرفض "مبدأ" التدخّلات الخارجية، علماً أنّ "الشماتة" التي رُصِدت في بعض أوساط "الوطني الحر" الافتراضية عبر وسائل التواصل قد تكون كافية ووافية لتفسير هذا المنحى.
لكنّ مثل هذه القراءة تبدو منقوصة، ومفتقدة للكثير من الواقعيّة المطلوبة في هذه المرحلة، خصوصاً أنّ كلّ المراقبين، من حلفاء وخصوم "حزب الله"، يكادون يجزمون أنّ هذه العقوبات "سياسيّة" بالدرجة الأولى، ولو حملت عنوان "الفساد" الذي لو كان صحيحاً ودقيقاً، لكان الأوْلى بالإدارة الأميركية أن تبدأ "حربها" عليه بـ"أصدقائها"، ممّن باتوا يُصنَّفون في ​لبنان​ وخارجه على أنّهم "رموز الفساد"، بدل أن "تحصر" التهمة بخصومها.
وانطلاقاً من الطابع "السياسيّ" للعقوبات، ثمّة وجهتا نظر تتنازعان حول "التأثير" المُحتمل لها على "حزب الله" وبيئته الحاضنة، شيعياً ومسيحياً، نتيجة العقوبات، أولها تنطلق من الردود "الفوريّة" لكلٍّ من رئيس مجلس النواب ورئيس تيار "المردة"، واللذين بدّدا أيّ "رهانٍ" على إمكان تغيير مواقفهما المبدئيّة الراسخة. ويتحدّث أصحاب هذا الرأي عن "مفعول عكسيّ" ستتركه هذه العقوبات على من تشملهم، بحيث تزيد صلابتهم وتشدّدهم، وبالتالي التفافهم حول "حزب الله"، طالما أنّ "الأسوأ قد وقع فعلاً"، وثمّة من يعتبر أنّ هذا "التشدّد" بدأ يُترجَم على مستوى مفاوضات ​تأليف الحكومة​، وسط تسريبات تحدّثت عن "نوايا" لدى برّي بالتخلي عن "الليونة والمرونة" رداً على العقوبات.
لكن، في مقابل هذا الرأي "المبدئيّ"، ثمّة وجهة نظر أخرى توحي بـ "النقيض"، بعيداً عن الكلام "الشعبويّ" العام الذي يجد الكثير من "المطبّلين والمصفّقين" بطبيعة الحال. ولعلّ "صمت" التيار "الوطني الحر"، الذي قد يكون "مدروساً"، معطوفاً على التسريبات حول نيّته "تسهيل" مهمّة تأليف الحكومة، و"تعفّفه" عن المشاركة فيها، يعزّز هذا الرأي، باعتبار أنّ العقوبات يمكن أن تشكّل "نقطة حمراء" في سجلّ رئيسه جبران باسيل، بل تقضي على "طموحاته الرئاسيّة"، وهو ما لا يبدو جاهزاً له في الوقت الحاليّ، وقد تكون هذه بالتحديد هي "الثغرة" التي سيحاول الأميركيّون الدخول عبرها لضرب "الحزب" عبر أقرب المقرّبين.

الخوف الحقيقيّ...

يقول البعض إنّ العقوبات على حسن خليل وفنيانوس لم تكن في واقع الأمر أكثر من "رسالة" إلى باسيل، باعتبار أنّ "التغطية" التي يقدّمها الأخير لـ"حزب الله" تفوق في الأهمية كلّ شيءٍ آخر، لكون الأخير محصَّنٌ على المستوى الشعبي شيعياً، وأنّ الغطاء الذي يوفّره له فرنجية مسيحياً يبقى "محدوداً"، على رغم أهميته.
من هنا، يعتقد هذا البعض أنّ هذه العقوبات لم تكن سوى "الحلقة الأولى" من "فصلٍ" جديد سيشهد المزيد من التطورات، المتسارعة ربما، والدراماتيكية أيضاً، في القادم من الأيام، وسيكون له تأثيرٌ مباشرٌ على كلّ الاستحقاقات الداخليّة الداهمة، من الحكومة العالقة، إلى الاقتصاد المنهار، وغيرها.
وبين "وسام الشرف" الذي يتغنّى به "حزب الله" وحلفاؤه، و"شماتة" البعض الآخر بمن تشملهم أو ستشملهم العقوبات، يبقى الغالب هو "الخوف" من "مفاعيل" للعقوبات لن يكون بالمقدور تحمّلها، بعدما أجهز "الحصار" المفروض على البلاد منذ أشهر، على كلّ شيءٍ تقريباً، ولم يترك مجالاً لـ"التنفّس"...