لم يعد يفيد التلطّي خلف الاصبع، والادّعاء بأنّ ​فرنسا​ عموماً ورئيسها ​ايمانويل ماكرون​ خصوصاً لا يتدخل في الشاردة والواردة في الملف الحكومي ال​لبنان​ي. فعلى الرغم من عدم صدور اعلان رسمي عن حجم هذا التدخّل، الا انّ المعطيات كلها تشير، بما لا يقبل الشك، الى ان ماكرون اخذ مهمة تأليف ​الحكومة​ العتيدة على عاتقه، وحمل همّها على كتفيه، وما زياراته المتعددة الى لبنان، وكلامه للمسؤولين فيه، ومتابعاته الحثيثة لجهود التشكيل، واتصاله اخيراً برئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ ورئيس التيّار الوطني الحرّ النائب ​جبران باسيل​، الا الدليل الساطع على ان الامر لم يعد يتعلق فقط بتمنيات ونصائح فرنسية... صحيح ان في الامر انتقاص من السيادة اللبنانية، ولكنه صحيح ايضاً ان الحلول لا تأتي من لبنان، بل من الدول الكبرى ويكتفي اللاعبون المحليون بتنفيذ السيناريو الموضوع.

بالامس، اعلن بري اعتذاره عن المشاركة في الحكومة بعد ان اصطدم تمسكه بحقيبة الماليّة، بتعنّت فرنسي رافض لهذا القرار. وبما ان فرنسا ليست لاعباً محلياً، ولها ثقلها وكلمتها كدولة كبرى، كان الخيار الاهون اعلان الانسحاب من الحكومة، رغم تزامنه مع السعي الى انجاح عملها لانقاذ لبنان. اللافت في هذا الموقف، انه يأتي بعد مواقف مماثلة لـ"تيارالمستقبل" و"​التيار الوطني الحر​" وعدد من الاحزاب والتيارات الاساسية على الساحة اللبنانيّة من مختلف ​الطوائف​، فما الذي سيحصل؟ وفق ما يراه العديد من المراقبين، فإننا امام مشكلة ليست سهلة. ففي حال راعت فرنسا خواطر المسؤولين والزعماء اللبنانيين، فالحكومة ستتأخر عن الموعد الذي حدّده لها ماكرون والذي يسابق موعد الانتخابات الاميركيّة التي ستشلّ كل الجهود بعد حصولها، وهو امر يرغب الرئيس الفرنسي في تفاديه بكل ما أوتي من قوة.
اما في حال اتخذ القرار على الصعيد الفرنسي ب​تشكيل الحكومة​ بمن حضر ووفق الاهداف الموضوعة، فسيكون للبنان حكومة جديدة خلال الايام المقبلة دون جهد كبير، حتى ولو لم تشارك فيها الاحزاب والتيارات السياسية بشكل مباشر، وعندها يكون السؤال الابرز: كيف سيكون عليه الوضع؟ الجواب على هذا السؤال ينقسم الى قسمين: في حال بقي التنسيق على حاله بين فرنسا و​الولايات المتحدة​ و​روسيا​ والصين، وفي حال لم يبقَ على المستوى نفسه. في الوضع الاول، لن يكون بمقدور احد عرقلة ما تم التوافق عليه في الخارج، وستحصل الحكومة على الثقة المطلوبة نيابياً حتى دون مشاركة مباشرة للاحزاب والتيارات، ولكن عملها سيبقى محصوراً باجراء بعض الاصلاحات المحدودة واتخاذ بعض القرارات التي ستضع ​المجتمع الدولي​ في قلب لبنان من النواحي كافة، وبالاخص من الناحيتين الماليّة والاقتصاديّة. ولو ان عمر هذه الحكومة لن يكون قصيراً، ولكن دورها سيكون مفصلياً لاخراج لبنان من الدوّامة التي وجد نفسه فيها منذ نحو سنة، قبل ان تفسح المجال امام حكومة اخرى تعكس مفهوم التغييرات التي ستحصل على صعيد المنطقة بعد ​الانتخابات الرئاسية​ الاميركية. والامر المميز الذي سيرافق هذه الحكومة، هو عدم قدرة الاحزاب والتيارات السياسية على الوقوف في وجهها وعرقلتها، ولكنها في المقابل، لن تتّخذ أيّ قرار من شأنه المسّ بزعماء البلد او المسؤولين فيه، ليكون الجميع فائزاً في هذه الجولة.
اما في الوضع الثاني، اي في حال تعرض التنسيق الدولي لاهتزاز ما، فستكون الحكومة كالنعجة بين ذئاب التيّارات والاحزاب اللبنانيّة، وستتلقّى الضربة تلو الاخرى الى ان تصطلح الامور خارجياً من جديد، او يتم تغيير التفاهمات والشروط الموضوعة قبل التشكيل، والا فستشهد ​الحكومة الجديدة​ مصيراً مشابها لما شهدته الحكومة السابقة ولن تتمكن من البقاء على قيد ​الحياة​ لوقت طويل.
وقد يكون الاسبوع الحالي الاكثر قدرة على الاجابة على التساؤلات، لانّه قد يشهد ولادة الحكومة او تأجيل ​الاعلان​ عنها لوقت قصير، او الاعلان عن مرحلة جديدة من التفاهمات تعيد تعويم الطبقة السياسية على حساب الرئيس الفرنسي. فهل سيقف الاخير متفرجاً، ام سيخرج من قبعته الارنب السحري، وهي المهمة التي كانت تُعهد لبري على مدى عقود من الزمن؟.