الواضح أن نتائج ​الاستشارات النيابية​ لتسمية الرئيس سعد ​الدين​ الحريري لتولي مهمة تأليف ​الحكومة​ ال​لبنان​ية ​الجديدة​، لم تأت كما يشتهي الحريري.. فهو اخفق في الحصول على أغلبية نيابية مريحة تعطيه شيكا على بياض في عملية التشكيل.. وانه أضعف من أن يفرض حكومة وفق توجهاته التي تنسجم مع التوجهات والرغبات الأمريكية الفرنسية، المتمثلة في مطالبة لبنان بالموافقة على شروط ​صندوق النقد​ الدولي مقابل الحصول على قروض مالية ميسرة..

أولا، ليس لدى الحريري غطاء مسيحيا، بعد امتنعت كتلتا، التيار الوطني، اكبر كتلة في البرلمان، و​كتلة القوات اللبنانية​ عن تسمية الحريري، كل كتلة من موقع سياسي مختلف.. فالتيار رفض الموافقة على أن يشكل الحريري حكومة اختصاصيين مستقلين، لان الحريري سياسي ولا تنطبق عليه صفة اختصاصي ، ولهذا يؤيد التيار حكومة تكنو سياسية، اما القوات فهي تصر على حكومة اختصاصيين مستقلين بالكامل من رئيسها الى وزرائها.. وحتى يتمكن الحريري ​تأليف الحكومة​ هو بحاجة إلى الحصول على تأييد التيار الوطني.. لاسيما وان ​رئيس الجمهورية​ الشريك دستوريا في عملية التأليف، لن يقبل بأي حكومة لا تحترم الميثاقية وما تعنيه من ضمان عدالة تمثيل ​الطوائف​ من خلال ​الكتل النيابية​ التي تمثلها..
ثانيا، لن يكون بإمكان الحريري الحصول على موافقة ​حزب الله​ على تأليف الحكومة، إلا إذا قبل بحقه في تسمية وزرائه من ناحية، ومعارضته العديد من شروط صندوق النقد من ناحية ثانية.. واستطرادا التمسك بحق لبنان في مقاومة الاحتلال والحفاظ على كامل حقوقه في البحر والبر ورفض أي مساومة عليها..من ناحية ثالثة..
ثالثا، لم يحصل الحريري أيضا على تأييد بلا شروط، من قبل بعض الكتل والنواب الذين سموه في الاستشارات.. مثل الكتلة الأرمنية، والكتلة القومية، اللتين تشترطان تمثيلهما في الحكومة بالصيغة التي يتم الاتفاق عليها ..أما ​كتلة التنمية والتحرير​ فانها لن تقبل بأن يتفرد الحريري في تسمية الوزراء، وهي سوف تقف مع ​كتلة الوفاء للمقاومة​ في هذا الشأن.. فما رفض اعطاؤه للرئيس ​مصطفى أديب​ لن يمنح للحريري.. لان ذلك سيعني بمثابة تسليم ​السلطة​ له وهو أمر سيشكل انقلابا سياسيا على ​الدستور​ ونتائج ​الانتخابات​ يحقق رغبات وأحلام ​واشنطن​ التي تقف وراء ​تفجير​ الازمة ومحاولة توظيف ​الاحتجاجات​ في الشارع، لفرض هذا الانقلاب، الذي يبدأ من تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين، موالية لل​سياسة​ الأمريكية..
أمام هذا الواقع فإن الرئيس المكلف ​سعد الحريري​ لن يكون مطلق اليدين في ​تشكيل الحكومة​، وهو محكوم بتوازن القوى، والاستجابة لمطالب الكتل النيابية في حقها بالمشاركة في الحكومة، ان كان عبر اختصاصيين او سياسيين، كما أنه سيكون محكوم بالأخذ بوجهة نظر رئيس الجمهورية الذي لا يمكن تأليف الحكومة من دون موافقته على شكل الحكومة و مضمونها ومدى انسجامها مع الدستور..
أما إذا أصر الرئيس الحريري على موقفه في السعي الى تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين يسمى هو وزراءها، والتمسك باعطائه شيك على بياض لتطبيق البرنامج الإصلاحي للمبادرة الفرنسية وفق رؤيته، وعلى أساس قبول شروط ​صندوق النقد الدولي​، فإنه سيواجه صعوبة في ذلك، بل إنه سيفشل بكل تأكيد..
ويتبين عندها ان تشكيل حكومة وفاق، مرتبط بحصول الحريري على ضوء أخضر أمريكي، وأن الضوء لن يظهر قبل الانتهاء من الانتخابات الأمريكية واعلان نتائجها، لذلك من المتوقع ان الرئيس الحريري سوف يستهلك هذه الفترة في المشاورات التي سيجريها مع الكتل النيابية والاطراف والقوى السياسية، ومن ثم الانتظار ريثما يتضح موقف الإدارة الأمريكية بعد الانتخابات.. رفعا للفيتو، ام استمراراه، وبالتالي استمرار أزمة تأليف الحكومة.. وكان لافتا مسارعة مساعد ​وزير الخارجية​ الأمريكي ​ديفيد شينكر​ إلى التذكير بسيف العقوبات بعد ​تكليف​ الحريري، يعني ان واشنطن تعارض حكومة توافق، وهي مستمرة في سياسة الضغط بواسطة الحصار المالي وسلاح العقوبات لمحاولة تمكين الحريري من فرض تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين..