على وقع التوتر الذي تشهده ​فرنسا​، نتيجة تزايد الأعمال الأرهابيّة على خلفية الإساءة للنبي محمد، التي حصلت بعد عمليّة ذبح أستاذ لمادة التاريخ عرض على تلامذته في المدرسة الإعدادية رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد، يمكن القول أن الرئيس الفرنسي قدّم خدمة لنظيره التركي ​رجب طيب أردوغان​، في سياق سعيه إلى إستغلال الحادثة لتعزيز حضوره في الداخل الفرنسي.

في الأشهر الماضية، كانت العلاقة بين الرئيسين التركي والفرنسي قد شهدت توتراً كبيراً، على خلفية التنافس القائم بينهما على النفوذ في أكثر من ساحة، لا سيما في شرق ​البحر المتوسط​ حيث الصراع على الموارد الطبيعية. ف​ماكرون​ كان يسعى، بشكل حثيث، لحشد الدول الأوروبيّة خلفه في مواجهة توجّهات ​أنقرة​، وهو ما برز بشكل لافت من خلال دعم ​باريس​ لمواقف ​اليونان​ وقبرص في الصراع هناك، بالإضافة إلى مسارعته لتقديم مبادرة بعد الإنفجار الذي وقع في ​مرفأ بيروت​ في آب الماضي.
في ذلك الصراع، كان الرئيس الفرنسي يسعى إلى بناء تحالفات مع عدد من الدول العربيّة و​الإسلام​يّة، هي أيضاً في صراع مع ​تركيا​، لا سيما البلدان الخليجية. إلا أنه بعد المواقف التي أطلقها تجاه الديانة الإسلاميّة أحرجها، نظراً إلى أنها، على وقع التحركات الغاضبة، كانت مضطرّة إلى إدانة ما صدر عنه. في حين سعى أردوغان إلى إستغلال هذا الواقع، ليقدّم نفسه على أساس أنه المدافع الأول عن الإسلام، في مشهد يعيد إلى الأذهان سعيه، طوال السنوات الماضية، إلى الظهور بوصف "الخليفة" الجديد.
في الأسباب المباشرة، كان ماكرون مضطراً للذهاب إلى هكذا مواقف، نتيجة التنافس الذي يتعرّض له من قبل تيّارات اليمين المتطرّف في الداخل الفرنسي، التي ما كانت لتتردد في إستغلال مثل هذه الحادثة للسعي إلى تعزيز حضورها، قبل عام ونصف العام من موعد الإنتخابات الرئاسيّة المقبلة، التي يطمح ماكرون إلى إعادة الفوز فيها بولاية جديدة، بعد أن كان حزبه قد خسر الإنتخابات البلديّة في شهر تموز الماضي.
وبعيداً عن الهجمات ​الإرهاب​يّة التي قد تمثّل تحدياً للرئيس الفرنسي في المرحلة المقبلة، خصوصاً أنه غير قادر على التراجع بهدف إمتصاص حالة الغضب التي تجتاح الأوساط الإسلاميّة، لأنّه عندها سيواجه بحملة أكبر عنوانها إستسلامه أمام الإرهاب، قد يستفيد ماكرون من الواقع الحالي، لا سيما بعد أن حصل على مواقف أوروبية داعمة له.
في الوقت الراهن، يواجه الرئيس الفرنسي موجة واسعة من الدعوات إلى مقاطعة البضائع الفرنسيّة في ​العالم الإسلامي​، قد لا يكون لها تداعيات كبيرة على ​الإقتصاد​، لا سيما أن أغلب الدعوات إلى المقاطعة، في الماضي، لم تجد الرواج الواسع لها. إلا أنّ التحرّكات المعارضة التي تشهدها بعض الدول، قد تعرقل مساعي ماكرون إلى لعب دور الوسيط في الأزمات، حيث أن الكثير من الدول الإسلامية، التي تعتبر صديقة لباريس، وجدت نفسها مضطرة إلى إصدار بيانات منددة بما صدر عنه.
في المحصّلة، يسعى كل من ماكرون وأردوغان إلى الإستثمار في التوتر الطائفي القائم على مستوى القارة العجوز، الذي قد يؤدّي إلى سقوط المزيد من الضحايا، بدل البحث في كيفيّة الحد منها، بانتظار الأشهر المقبلة التي ستكشف من منهما كان الأكثر إستفادة مما حصل.