لم تكن الضربة الإسرائيلية فجر الأربعاء على ​سوريا​، بالضربة الروتينية التي تعوّدت عليها المنطقة. في الشكل، قد تكون كسابقاتها، لكن في طريقة "إخراجها" والهدف الذي تم قصفه إضافة لتوقيتها، لا يمكن اعتبارها عادية.

تتأرجح المنطقة هذه الأيام على وقع عدد من الأحداث: هزيمة ​دونالد ترامب​ في الإنتخابات الأميركية، إتفاقات التطبيع بين إسرائيل وبعض ​الدول العربية​، وتجارب ​إيران​ الصاروخية المتزايدة وكشفها عن ​صواريخ​ جديدة إضافة إلى رفع مستوى تخصيب اليورانيوم في مفاعل "نطنز"، بالتزامن مع رفع حظر التسليح عنها الشهر الماضي.
تصدر في ​الولايات المتحدة​ ​أخبار​ عن تخطيط ترامب لضرب إيران لنسف أي تسوية ممكنة بين ​طهران​ وخليفته ​جو بايدن​، فتأتي أخبار أخرى لتنفي ذلك، ثم يأتي ​وزير الخارجية​ الأميركي ​مايك بومبيو​ ليرفع من حدّة التهديدات، ليردّ عليه المسؤولون الإيرانيون بتهديد مقابل. هكذا إذاً، تعيش المنطقة في حالة اللا حرب واللا سلم.
بعيداً عن التصعيد الكلامي، والحركات التي قد تكون في خانة الإستعراض، تشهد الساحة السوريّة حرباً حقيقية. حرب واضحة، ليست بحاجة لأيّ تحليل أو دلائل. آخر الضربات، شهدتها الحدود السورية-الإسرائيليّة.
منذ فترة جرى اتفاق أميركي-إيراني، كانت ​روسيا​ الوسيطة فيه، ينص على أن تبتعد إيران عن حدود ​الجولان​ بقطر 40 كيلومتر، مقابل انسحاب ​الجيش الأميركي​ من قاعدة التنف. نفذ الإيرانيون بنود الإتفاق إلا أنّ الأميركيين أخلّوا بتعهداتهم، ما أجبر الإيرانيين على العودة، وهذا السبب المباشر لعودة الاستهداف الإسرائيلي.
ووفق معلومات "​النشرة​"، فإنّ القصف استهدف اجتماعاً أمنياً رفيع المستوى يُعقد بين قيادات سوريّة وأخرى من ​الحرس الثوري الإيراني​، وقتل فيه عناصر إيرانيّة وسوريّة. وتضيف المعلومات أنّه "رغم عدم الكشف عن حقيقة ما حصل في الجولان، إلا أنّ الأيام المقبلة ستكشف حجم وخطورة ما حصل تلك الليلة".
بعيداً عن وقائع هذه الحادثة. كان لافتاً الإخراج الإسرائيلي لما حصل. مقاطع مصوّرة لوزير الدفاع الإسرائيلي بني غانتس يعلن فيها عن العمليّة، ومؤكّداً أنه استهدف الوجود الإيراني في سوريا، محملاً ​القيادة​ السوريّة مسؤوليّة ما يحصل. وهكذا فعل رئيس الوزراء ​بنيامين نتانياهو​. ولحقهم المتحدث باسم ​الجيش الإسرائيلي​ ​أفيخاي أدرعي​، الذي أعلن أن الفرقة المستهدفة كانت مسؤولة عن زرع ​الألغام​ على الحدود الإسرائيليّة، مضيفاً: "كشفنا أن الوحدة الإيرانيّة الإرهابيّة المسؤولة عن زرع العبوات الناسفة على الحدود السورية في ​هضبة الجولان​، هي الوحدة 840 الموجّهة من قبل ​فيلق القدس​ الإيراني، وهي وحدة عملياتية تعمل سراً نسبياً، تأخذ على عاتقها تخطيط وإنشاء بنية تحتية إرهابية، خارج إيران، موجهة ضد أهداف غربية ومعارضة".
بناء على هذه التصريحات، يمكن استخلاص أمرين مهمين بحسب ما تروي مصادر مطّلعة عبر "النشرة":
الأول، هو أن "إسرائيل" ستعمل بكل حزم لمنع انتشار عناصر إيرانية أو موالية لإيران على الحدود معها، لمنع تدعيم جبهة جديدة في مواجهتها إضافة لمحاور غزة و​جنوب لبنان​، علماً أن الحرس الثوري الإيراني، ومن خلفه ​حزب الله​، قد جهّز الآليات الكاملة للمجموعات التي يمكن أن يتمّ وضعها في هذه المنطقة، إلا أنّ القيادة السوريّة، بطلب روسي، ترفض إنشاء هكذا تنظيمات على الحدود.
الثاني، هو أن إسرائيل تُحاول تحميل ​الجيش السوري​ و​الرئيس السوري​ بشّار الأسد والإيرانيين مسؤوليّة أيّ ضربة تتعرض لها الأراضي السوريّة. هي حرب نفسية، تجلّت في المناشير التي رمتها الطائرات الإسرائيليّة على الحدود مع سوريا، لتنبيه سكان هذه المنطقة والقيادات السوريّة بأنّ كل القصف الذي يتعرضون له سببه الحرس الثوري الإيراني. قد يكون الهدف من كل ذلك، اللعب على وتر التفرقة بين القيادات السوريّة والضباط الإيرانيين، بغية اتخاذ السوريين قرار بإبعادهم عن الحدود.
هل يُمكن أن تتحرك إسرائيل عسكرياً بمعزل عن رأي الإدارة الأميركيّة التي تلفظ أيامها الأخيرة بالحكم، أم أن التصعيد المتوقع من قبل ترامب سيبدأ من سوريا و​العراق​؟ الأيام القليلة المقبلة كفيلة بالإجابة!.