مرّة جديدة تتجه الأنظار إلى ​قصر بعبدا​ حيث سيُتابع رئيس ​الحكومة​ المُكلّف ​سعد الحريري​ مُحادثاته مع رئيس الجمهوريّة العماد ​ميشال عون​ في ما خصّ الملفّ الحُكومي، في ظلّ وُصول التدهور المالي والإجتماعي في ​لبنان​ إلى مُستويات غير مَسبوقة. فهل من بارقة أمل بحُصول خرق مهمّ على صعيد جُهود تشكيل الحُكومة ​الجديدة​، أم أنّ مُحاولات التأليف لا تزال تدور في الحلقة المُفرغة؟.

الآراء مَقسومة بين من يَعتبر أنّ العرقلة داخليّة، ومن يَراها خارجيّة. وفي هذا السياق، وبحسب آخر المَعلومات المُتوفّرة، إنّ الملفّ الحُكومي أحرز تقدّمًا، لجهة أنّه صار من المُمكن الحديث عن تصوّر حُكومي كامل، لكنّ المشاكل لا تزال قائمة، بسبب خلافات مُستمرّة على كثير من التفاصيل.
والإيجابيّة المَحدودة التي تحقّقت تتمثّل في التوافق المَبدئي على حُكومة تتكوّن من 18 وزيرًا، مُوزّعة بطبيعة الحال مُناصفة بين المُسلمين (4 وزراء سنة بينهم رئيس الحكومة نفسه، و4 وزراء شيعة، ووزير درزي واحد) والمسيحيّين (4 موارنة،و2 روم كاثوليك، و2 روم أرثوذكس، ووزير أرمني)، تعترضها مشاكل أحجام، إضافة طبعًا إلى مُشكلة الأسماء. فهذه الحُكومة المَطروحة، وعلى الرغم من كل ما يُقال بأنّها ستكون غير سياسيّة وتضمّ وزراء إختصاص حصرًا، إلا انّها تبقى مُوزّعة مَعنويًا بناء على توازنات سياسيّة قائمة. وفي هذا السياق، يحظى رئيس الحُكومة المُكلّف بأربعة وزراء سُنّة، أحدهم سيكون مَحسوبًا على رئيس الحكومة السابق ​نجيب ميقاتي​، ويحظى كل من "​حزب الله​" و"​حركة أمل​" بالوزراء الأربعة ​الشيعة​، بينما يحظى "الحزب الإشتراكي" بالوزير الدرزي الوحيد. وهذا الأمر سيتسبّب بإشكاليّة مع النائب ​طلال أرسلان​ وحتى مع الوزير السابق وئام وهّاب، علمًا أنّ الوزير السابق ​وليد جنبلاط​ مُعترض بدوره على طبيعة ال​وزارة​ التي تسرّب أنّها ستكون من حصّته.
بالإنتقال إلى الوزراء التسعة المسيحيّين، فإنّ ستة منهم هم من حصّة كل من رئيس الجمهوريّة(3) و"التيار الوطني"(2) و"الطاشناق"(1)، على أن يحظى الوزير السابق ​سليمان فرنجية​ بوزارة واحدة مع حقيبة خدماتية أساسيّة، مع منح حقيبة لصالح "الحزب السُوري القومي" الذي صَوّت لصالح ​تكليف​ الحريري، على أن يستحوذ هذا الأخير على الوزير المسيحي التاسع، ليُحتَسب ضمن حصّته. وليس بسرّ أنّ "التيّار الوطني الحُرّ" يعترض على عدم تطبيق معيار واحد لتشكيل الحُكومة من حيث الشكل، ويعترض من حيث المَضمون على منحه وزارتين فقط، كونه يعتبر أنّ حجمه السياسي والشعبي أكبر من وزارتين، وأنّ الوزارات الثلاث الأخرى من حصّة رئيس الجمهوريّة لا تخصّ "التيّار". أكثر من ذلك، يُحكى خلف الكواليس أنّ "التيّار" لن يقبل بحصّة لا تؤمّن له الثلث زائد واحد في أي حُكومة، ما يعني حصّة من 7 وزراء في حكومة من 18 وزيرًا، وذلك لأنّ الحُكومة المُقبلة قد تبقى في الحُكم لفترة طويلة جدًا، في حال إرجاء ​الإنتخابات النيابية​ وفي حال عدم إنتخاب رئيس جديد للجُمهوريّة مُستقبلاً. وتُوجد مُشكلة كُبرى تعني رئيس الجمهوريّة "والتيّار" و"​الثنائي الشيعي​" وغيرهم، وتتمثّل في رفض أن يقوم رئيس الحكومة المُكلّف بإسقاط الأسماء الوزاريّة من دون تنسيق مُسبق معهم، علمًا أنّ العماد عون يُطالب الحريري بأن يكون التنسيق معه كاملاً على صعيد عمليّة ​تشكيل الحكومة​ ككل. ويتردّد أنّ رئيس الحكومة المُكلّف كان أرجأ حتى الأمس القريب تقديم تشكيلة حُكوميّة كاملة لرئيس الجمهوريّة، خشية إحتراق أسماء الوزراء الذين يحظون بفرصة كبيرةللتوزير، وكذلك خشية أن يتمّ تجميد التشكيلة، وعدم توقيعها من قبل الرئيس، بحيث لا تصل حتى إلى ​مجلس النواب​، فنُصبح أمام مُشكلة إضافيّة.
وبمُوازاة التطوّرات الداخليّة، يُوجد إعتقاد واسع أنّ العراقيل الداخليّة ما هي سوى حجّة للعراقيل الحقيقيّة الخارجيّة! وفي هذا السياق، يتردّد أنّ رئيس الحكومة المُكلّف يُراهن على زيارة رئيس الجمهوريّة الفرنسية ​إيمانويل ماكرون​ الثالثة إلى لبنان، بين 21 و23 كانون الأوّل الحالي، لجهة توقّعه أن يُمارس ماكرون المزيد من الضُغوط المُباشرة على الجهات المَعنيّة بالتشكيل. وعلى الرغم من أنّ الرئيس الفرنسي ينوي زيارة القوّات الفرنسيّة العاملة ضُمن وحدات "​اليونيفيل​"، لكنّه سيُتابع مع المسؤولين اللبنانيّين المخارج التي تقترحها ​فرنسا​ لمُحاولة إنقاذ الوضع اللبناني من كل أزماته، وليس لبحث الملف الحُكومي حصرًا، ولوّ أنّ أيّ حل لا يُمكن أن يبدأ إلا من بوّابة تشكيل حُكومة جديدة مُتجانسة وتُوحي بالثقة.
وعلى خط مُواز، يُوجد رأي آخر، يعتقد أنّ عراقيل مُتعمّدة تُوضع أمام الحريري في إنتظار تسلّم الإدارة الأميركيّة الجديدة بقيادة الرئيس المُنتخب ​جو بايدن​، زمام الحُكم في ​واشنطن​، مع ما ستحمله هذه الخطوة من تغييرات على مُستوى أسلوب التعامل الأميركي مع كامل منطقة ​الشرق الأوسط​، بدءًا بملفّ العلاقة بين واشنطن و​طهران​، مُرورًا بالحُضور الأميركي في المنطقة العربية والخليجيّة من ​سوريا​ إلى السعوديّة مرورًا ب​إسرائيل​، وُصولاً إلى نُفوذها في لبنان وحجم الضُغوط التي ستمُارس عليه، إلخ.
إلى ذلك، تُوجد نظريّة ثالثة تتحدّث عن أنّ اكثر من طرف داخلي، لا يريدون تشكيل الحُكومة حاليًا، بسبب وُصول قُدرة ​مصرف لبنان​ على إستمرار توفير دعم ​المحروقات​ و​الأدوية​ و​الطحين​ وبعض السلع الغذائيّة، إلى نهايتها، الأمر الذي سيُشكّل "محرقة معنويّة" لأي حُكومة جديدة قبل إنطلاقها، بحيث يُفضّل أن ينفجر هذا اللغم-إذا جاز التعبير، في حكومة ​تصريف الأعمال​ الحالية، بحيث تقوم هي برفع الدعم جزئيًا، أي بما إصطلح على تسميته "ترشيد الدعم"، مع ما ستُثيره هذه الخُطوة من غضب شعبي عارم، على أن تظهر الحكومة المُقبلة بعد ذلك بانّها الحُكومة المُنقذة!.
في الخُلاصة، نظريات كثيرة وآراء مُتضاربة بشأن الأسباب الفعليّة وراء تأخير تشكيل الحُكومة... لكنّالحقيقة الوحيدة المَلمُوسة تتمثّل بعدم قُدرة أغلبيّة ​الشعب اللبناني​ على الصُمود مَعيشيًا لمزيد من الوقت، في ظلّ التخبّط السياسي القائم، مَعطوفًا على فشل إقتصادي وعلى فساد إداري وعلى فشل مالي، وكذلك على قلّة مسؤوليّة وإحترام غير مُسبوقة للمُواطن اللبناني!.