قبل أسابيع قليلة، كان مجرّد ذكر اسم رئيس ​حكومة​ ​تصريف الأعمال​ حسّان دياب في أيّ جلسةٍ مدار "سخطٍ"، بعدما تحوّل الرجل الذي وصل إلى ​السراي الحكومي​ّ بالصدفة، كما يُقال، إلى هدفٍ "سهل" للحملات والانتقادات، وتعرّض لما يشبه "العزل"، في بيئته وخارجها.

فمع أنّ كثيرين يعتقدون أنّ دياب "آدمي"، بخلاف معظم المنخرطين في العمل السياسيّ، بدا أنّ "خسائر" الرجل المتتالية منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة أفقدته الكثير من "هيبته"، خصوصًا بعد "الحصار" الذي تعرّضت له حكومته التي تمّ تحميلها أكثر بكثير من طاقتها.
وكأنّ "حملات" خصومه غير البريئة، داخل بيئته وخارجها، لا تكفي، جاء "انقلاب" عرّابي دياب عليه، وصولاً إلى حدّ "إلزامه" بالاستقالة، عبر "ترهيبه" من الويل والثبور وعظائم المأمور، ليزيد الطين بلّة، حتى اعتقد كثيرون أنّ الرجل سيعتزل السياسة، قبل أن يغادر السراي.
لكنّ "ضربة الحظّ" التي حصدها الرجل تمثّلت بـ "مضبطة الاتهام" التي وُجِّهت له، على خلفيّة انفجار ​المرفأ​، فتحوّل المتربّصون به سريعًا إلى "متضامنين" معه ومدافعين شرسين عنه، تمهيدًا لدورٍ جديدٍ باشر بلعبه في ​الساعات​ الأخيرة، على خطّ ​تأليف الحكومة​ الجديدة.

"تحوّل نوعيّ"

قبل أسابيع، نزل خبر الزيارة التي أجراها رئيس الحكومة المكلَّف ​سعد الحريري​ إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب، نزول "​الصاعقة​" على الكثير من المتابعين للشأن العام، الذين لم يكن أيٌ منهم يعتقد أنّ مثل هذه الزيارة يمكن أن تحدث، تحت أيّ ظرفٍ من الظروف، وخلف أيّ عنوانٍ من العناوين.
يومها، رُبِطت الزيارة بالادّعاء على رئيس حكومة تصريف الأعمال من جانب المحقق العدلي في جريمة ​انفجار مرفأ بيروت​، واتهامه بالتقصير والإهمال، فاختار الحريري "التضامن" مع دياب، منعًا للاستفراد بموقع رئاسة الحكومة، وتحويل شاغلها إلى "كبش محرقة" بشكلٍ أو بآخر، وكأنّه السبب في كلّ أزمات ​لبنان​ ومصائبه، بعدما كان دياب المُبادر أصلاً لمثل هذا التفسير، حين اعتبر أنّ "المقام" الذي يشغله هو المُستهدَف.
سرعان ما تعمّم هذا الجو، فانضمّ الكثير من خصوم دياب إلى الحريري، وعلى رأسهم رؤساء الحكومات السابقون، الذين كانوا قد أقفلوا ناديهم المشكَّل حديثًا بالشمع الأحمر، منعًا لانضمام الوافد الجديد إليه، بعدما شكّل "رأس حربة" الفريق المناهض لهم، وتحدّاهم بتشكيل حكومةٍ لا يرضون عنها ولا يباركونها، صُنّفت في قاموس الداخل والخارج، ليس على أنّها "حكومة لون واحد" فحسب، ولكن، قبل ذلك، "حكومة ​حزب الله​".
ومع أنّ هناك من وضع "حملات التضامن" مع رئيس حكومة تصريف الأعمال، في إطار الخشية من "تصاعد كرة ​الثلج​" لتطال "رؤوسًا" أخرى، إلا أنّ الرجل تنفّس الصعداء، واستعاد شيئًا من "حماسة" الأيام الأولى، بعدما شعر أنّ الأمور "فلتت" من يديه، وأنّ هناك من يريد "الانتقام" منه، من دون أن يسمح له حتى بالابتعاد بصمتٍ وهدوء عن الساحة، فكان هذا "التحوّل النوعي" في العلاقة معه، تمهيدًا لدورٍ جديدٍ قد يلعبه لاحقًا، وهو ما بدأ يظهر في الساعات الأخيرة.

بحثًا عن دور؟

لعلّ زيارة دياب إلى الحريري هذا الأسبوع، اكتسبت عنصر "المفاجأة" نفسها، الذي طبع زيارة الثاني للأول قبل أسابيع، فمثل هذه الزيارة لم تكن مطروحة في "الأجندة السياسيّة"، ولو وضعها البعض في إطار "اللياقات الاجتماعية"، ومن باب ردّ رئيس حكومة تصريف الأعمال لتحيّة رئيس الحكومة المكلَّف بالمثل.
لكن، لو صحّت مثل هذه المقاربة، لكان يجب أن تتمّ هذه الزيارة في وقتٍ سابقٍ، علمًا أنّ هناك من وضعها أيضًا في إطار "تضامن" دياب مع الحريري، على ما اعتُبِرت "إساءة" للأخير حصلت بحضوره، من خلال الفيديو المسرَّب من لقائه في ​قصر بعبدا​ الأسبوع الماضي مع ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​، والذي اتهم فيه الأخير الحريري صراحةً بـ"الكذب"، وإن كان دياب أصرّ في حديثه للصحافيّين على أنّ هذه الإشكاليّة "تمّ تجاوزها".
ومع أنّ الزيارة، في مضمونها وتفاصيلها، فضلاً عمّا انبثق عنها، قد تكون راعت هذا البُعْد، بصورةٍ أو بأخرى، إلا أنّ المتابعين يعطونها أبعادًا أكبر وأعمق، باعتبار أنّ دياب تعمّد وضعها في سياق جولةٍ لم تُحصَر ببيت الوسط، بل شمت أيضًا قصر بعبدا، وعين التينة، رغم العلاقة "الشائكة" أصلاً مع رئيس البرلمان ​نبيه بري​، الذي يُقال إنّ الكيمياء بينه وبين دياب لم تركب يومًا، ما أوحى بقيادته "وساطة" على خطّ تأليف الحكومة، تُضاف إلى سلسلة "الوساطات" العاجزة حتى الآن عن تحقيق أيّ "خرقٍ" يُذكَر.
وإذا كان دياب استغلّ الفرصة التي أتيحت له، من حيث لا يدري أو لا يقصد، فأطلق "مبادرة" لتقريب وجهات النظر، والإسراع بتأليف حكومة "تزيحه" من السراي، وبالتالي "تريحه" من أعباء تصريف الأعمال، وهو ما يريده ويسعى إليه خلافًا لأيّ آراء مناقضة، فإنّ هناك من يفسّر خطوته هذه في إطار "البحث عن دورٍ" في المرحلة المقبلة، دور يبدو أنّ "مقوّماته" باتت أكثر نضوجًا من أيّ وقتٍ مضى، وهو ما يتجلّى بحرصه على "وسطيّةٍ" لافتةٍ، وكأنّه يبدي استعداده لـ "الوساطة"، حاليًا ومستقبلاً، ومتى دعت الحاجة.

ولادة سياسيّة جديدة؟

قد تكون مسيرة حسّان دياب الحكوميّة من أكثر المسيرات إثارةً للجدل في التاريخ اللبنانيّ الحديث. فالرجل الذي وصل إلى السراي الحكومي، كرئيس حكومة "لونٍ واحدٍ"، سرعان ما أصبح "منبوذًا" من فريقي حلفائه وخصومه، قبل أن يتحوّل إلى "مرضيّ عنه" في ربع ​الساعة​ الأخير، من الجانبيْن أيضًا.
هكذا، يبدو أنّ دياب "يولَد سياسيًّا" من جديد اليوم، قبل أن تخرج حكومته من الصورة، بعدما كاد "يصدّق" بنفسه على كلّ "​التنبؤات​" التي رجّحت "نهايته السياسية" لحظة دخول مرسوم استقالته حيّز التنفيذ، تزامنًا مع المصادقة على التشكيلة الحكوميّة الجديدة الموعودة والمنتظرة، مهما طال الزمن أو قصُر.
لكنّ شيئًا ما اختلف في الساعات الماضية، قد يفتح على دياب آفاقًا جديدة، حتى أنّ أحدًا لم يعد يستبعد أن يصبح دياب خلال الأيام القليلة الماضية، وبعد مغادرته النهائيّة للسراي الحكومي، جزءًا من نادي رؤساء الحكومات السابقين، ولو كان النادي نفسه الذي وجّه له "الأسهم الناريّة" خلال ولايته، ولومن باب الخصومة السياسيّة المشروعة...