في عزّ "القطيعة"، التي أقفِلت معها الطريق بين ​بيت الوسط​ وبعبدا، منذ أواخر العام الماضي، راهن كثيرون على الجولة الخارجيّة لرئيس ​الحكومة​ المكلَّف ​سعد الحريري​، الذي تنقّل بين العواصم، من ​أبو ظبي​ إلى ​أنقرة​، مرورًا ب​الرياض​، ووصولاً إلى ​باريس​، لعلّها تحمل معها "الفرج" الحكوميّ الموعود والمُنتظَر.

وصلت هذه "الرهانات" إلى ذروتها مع "عشاء العمل" الذي عقده الحريري، الأسبوع الماضي، في قصر ​الإليزيه​، مع الرئيس الفرنسيّ ​إيمانويل ماكرون​، والذي تقاطع مع المسعى الذي يقوده الأخير في سبيل "إنعاش" المبادرة الفرنسيّة، رغم أنّ اللقاء غاب عن "الأجندة" المُعلَنة للقاءات ماكرون، كما لم يصدر أيّ بيان رسميّ في شأنه.
لكن، ما أن عاد الحريري إلى ​بيروت​، وحطّ في ​قصر بعبدا​، حيث أوحى بتجاوز "صفحة" الفيديو المُسرَّب الشهير، حتى "خابت" كلّ الرهانات، ليظهر بوضوح أنّ الرجل "لم يحمل أيّ جديد"، وفق ما كشف مكتب الإعلام في ​رئاسة الجمهورية​، أو أنّه لم يُحرِز بالحدّ الأدنى "أيّ تقدُّم" يمكن ​البناء​ عليه، وفق ما أعلن هو للصحافيّين.
ولعلّ كلمة الحريري في ذكرى اغتيال والده رئيس الحكومة الأسبق ​رفيق الحريري​، والتي بدت "مقتضبة" مقارنةً بمثيلاتها في السنوات الفائتة، أكّدت المؤّكد على هذا المستوى، ليتَّضِح أنّ الرجل عاد إلى بيروت بـ"سلّة فارغة"، إن جاز التعبير، طالما أنّ الأمور تراوح مكانها، وكلّ فريق لا يزال "ثابتًا" على شروطه، ولا يحيد عنها...

مراوحة "قاتلة"


من لقاء قصر بعبدا يوم الجمعة الماضي، والذي كان الأول لعون والحريري منذ ما قبل رأس السنة، إلى كلمة رئيس الحكومة المكلَّف الأحد في ذكرى الرابع عشر من شباط، وما بينها من تصريحات وتصريحات مُضادّة، يبدو الثابت أنّ الجمود الحكوميّ لا يزال سائدًا، وأنّ المراوحة التي يصحّ وصفها بـ"القاتلة" تطغى على كلّ ما عداها.
وقد يكون تفصيلًا، في هذا السياق، التوقف مليًّا عند "الحرب الكلاميّة" المستمرّة بين ركني ​الأزمة​، عون والحريري، والتي تجلّت الأحد مثلاً بكلام الحريري العالي السقف، الذي حمّل عون مسؤوليّة التعطيل الحكوميّ بشكلٍ أو بآخر، ولو تعمّد استخدام "لهجة هادئة" لإيصال رسائله، أو بالردّ المباشر والسريع الذي صدر عن بعبدا، والذي اتهم الحريري صراحةً بمحاولة فرض "أعراف جديدة خارجة عن الأصول و​الدستور​".
فصحيح أنّ هذا "السجال" استعاد "الأدبيّات" نفسها التي كانت تُعتمَد في مرحلة ما قبل "القطيعة" بين الرجلين، إلا أنّ أهمّ ما فيه يبقى أنّه أكّد أنّ الجذور الداخليّة للأزمة لا تزال على "ثباتها"، وأنّ "إيجابية" كسر الجليد بينهما، إن تمّ مثل هذا الأمر أصلاً في لقاء بعبدا، لم تتجاوز "الشكل"، وبالتالي لا "ترجمة" مرتَقَبة لها على أرض الواقع، بل ثمّة من يرى أنّ اللقاء أدّى إلى "توتير" إضافيّ، وفقًا لبعض التسريبات عن "مَحضر" الجلسة.
ويشير العارفون إلى أنّ الحريري اختصر بكلمته "منطق" هذا السجال، حين أصرّ على ما يعتبرها "ثوابته"، ويرفض أن يتراجع قيد أنملة على خطّها، من حجم الحكومة، وتمسّكه بقائمة الـ18 وزيرًا، بموجب اتفاقٍ سابقٍ مع الرئيس، وصولًا إلى تركيبتها، وإصراره على احتساب وزير "الطاشناق" ضمن الحصّة الرئاسيّة، الأمر الذي يرفضه الرئيس مُطلَقًا، وينطلق منه لإنكار مطالبته بالثلث المعطّل كلما وُجِّه له الاتهام.

حِراك الخارج لم ينضج؟


صحيحٌ أنّ استعادة "السجال" على خطّ الحكومة، بما يدلّ على وجود "حركة" ما تحيط بالملفّ الحكوميّ، يبقى أفضل من "القطيعة التامّة"، إلا أنّ كلّ هذا "الحِراك" الذي يربطه البعض، باضطرار الحريري لفكّ "اعتكافه" في الرابع عشر من شباط، انسجامًا مع عادته التي دأب عليها منذ دخوله ميدان ​السياسة​، بإلقاء خطابٍ عامّ وشامل في ذكرى اغتيال والده، بدا "مكرَّرًا"، وكأنّ لا جولة خارجيّة قام بها الحريري ولا من يحزنون.
ويقول العارفون في هذا السياق إنّه من الواضح أنّ جولة "الشيخ سعد" لم تُحقِّق المُراد منها، ولو أوحت في مرحلةٍ ما بحِراكٍ مكثَّف على خطّ بيروت، ثبّتت وجود وساطاتٍ ومبادراتٍ تنتظر من يحرّكها، خصوصًا بعدما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نيّته زيارة ​لبنان​ قريبًا، ولكن بعد نضوج المقوّمات الموضوعيّة المطلوبة لإنجاح زيارته، تفاديًا لتكرار "سيناريو" الزيارة الأخيرة، التي سمع فيها أقوالًا ولم يَرَ أفعالًا.
وفيما يستند البعض لتأكيد هذا الرأي، إلى أنّ "البروباغندا الإعلاميّة" التي رافقت لقاء الحريري وماكرون، اقتصرت على الفريق الإعلاميّ لرئيس الوزراء اللبنانيّ المكلَّف، فيما تعامل معه قصر الإليزيه بمنطق "التجهيل"، أو بالحدّ الأدنى "التهميش"، ثمّة من يرى، في المقابل، في هذا المُعطى، لو كان دقيقًا، دليلًا على أنّ ظروف الحِراك الخارجيّ لم تنضج بعد، وأنّ هناك عقدةً إقليميّة يمكن إضافتها للعقدة الداخلية، تحول دون الإسراع في التأليف.
ولا يتردّد البعض في اعتبار أنّ الزيارة المرتقَبة للرئيس الفرنسيّ إلى ​المملكة العربية السعودية​، قد تكون أهمّ من كلّ الجولات والزيارات المرصودة في الآونة الأخيرة، خصوصًا إذا ما نجح ماكرون في انتزاع "ضوء أخضر" سعوديّ للمضيّ في مبادرته، علمًا أنّ هناك من لا يزال يصرّ على أنّ المملكة، المتمسّكة بحيادها، أو ربما عدم اكتراثها، غير متحمّسة لدعم الحريري طالما أنّه يحظى بـ"مباركة" ​حزب الله​، ويسعى لتشكيل حكومته بالانسجام التام معه.
ووفق المؤيّدينلنظريّة الدور الخارجيّ، فإنّ ​الولايات المتحدة​ لا تبدو بعيدة أيضًا عن "التعقيد" المُستَجِدّ، فصحيح أنّ الإدارة الجديدة لا تولي الملفّ اللبنانيّ أيّ أهمية في هذه المرحلة، وهو ليس ضمن "سلّم أولويّاتها"، ولكنّ الاعتقاد بأنّها أعطت ​فرنسا​ أو غيرها، "مباركتها" المُطلَقة، أو سلّمتها الملفّ بالكامل، لا يبدو مُقنِعًا ولا مُستقيمًا من وجهة نظر هؤلاء.

فوق كلّ الاعتبارات


باختصار، منذ أواخر العام الماضي، لم يتغيّر شيءٌ على خطّ ​تشكيل الحكومة​، بل إنّ لا مبالغة على الإطلاق في القول إنّ أيّ تغييرٍ لم يطرأ منذ ​تكليف​ الحريري، وتسريب أجواء "إيجابيّة" سرعان ما تبيّن أنّها كانت "مزيَّفة" حتى اليوم.
وبمُعزَلٍ عمّا إذا كان الحريري سعى بخطابه الأخير، لرمي الكرة مجدَّدًا في بعبدا، أم "تبرئة ذمّته" من الاتهامات التي وُجِّهت له، فإنّ "المكتوب الذي يُقرَأ من العنوان" يبقى واحدًا، ومفاده بأنّ ساعة التأليف لم تَحِن بعد، بالمعنى السياسيّ الضيّق.
لكنّ هذه ​الساعة​، بالمعنى الأعمّ والأشمل، حانت منذ زمن، طالما أنّ البلاد تتخبّط في ظلّ أزماتٍ بالجملة، اجتماعيًا واقتصاديًا وماليًا وصحيًا، في وقتٍ يبدو أنّ الأيام المقبلة ستزيد من تفاقمها وتعقيدها، خلافًا لما يتمنّاه اللبنانيّون.
وتبقى الحقيقة المُرَّة أنّ كلّ ذلك لا يُعتقَد أنّه سيغيّر قيد أنملة في "الثوابت"، ف​المحاصصة​ تبقى فوق كلّ الاعتبارات، والثلث المعطّل يبقى أهمّ من لقمة خبز الفقراء، و"جنّة ​السلطة​" للبعض تغلب على "جهنّم" التي يصارعها الشعب بكلّ ما أوتي من قوّة...