غابت كل البيانات والتصريحات الأميركية الدسمة بشأن ​لبنان​، خصوصاً تلك التي كانت تصدر عن السفارة في عوكر. يبدو أن المسؤولين السياسيين والدبلوماسيين الأميركيين يترقبّون تعليمات واشنطن بشأن لبنان الذي يغيب عن الأولويات الأميركية، كما ​سوريا​، لينحصرَ الإهتمام في واشنطن بالملف الإيراني وتفرّعاته. توحي سياسة الإدارة الأميركية الجديدة بأنّ ضبط العلاقة مع طهران سيتردد صداه في بيروت ودمشق وبغداد، وربما في ساحات عربية أخرى. لكن الإيرانيين لا يستعجلون إتفاقاً مع الأميركيين هذه المرة لثلاثة أسباب جوهرية: أولاً، لا يثق المحافظون في الجمهورية الإسلامية تاريخياً، بالسياسة الأميركية. ثانياً، لا يرغب المحافظون بإتفاق سريع يعطي الإصلاحيين دفعاً في الإنتخابات المقبلة بعد بضعة أشهر، على حساب المحافظين، تكراراً لتجارب سابقة في مرحلة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي. ثالثاً، لا يهتم الإيرانيون لأي إتفاق مع واشنطن يتبدّل بين عهد رئاسي أميركي وآخر، كما حصل مع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بإنتاج تسوية مزّقها خلفه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

وعليه، يبذل البيت الأبيض المساعي حالياً لفرض إتفاق غربي-إيراني، تظهر فيه إنجازات إدارته لطي صفحة النزاع مع طهران، لكنه لا يستطيع أن يقدّم مكاسب علنية واضحة للإيرانيين سيستغلها خصمه ترامب، ولو بعد حين، في عملية التصويب على الديمقراطيين. لذا، تسعى إدارة بايدن لحث دول غربية حليفة للإفراج عن الأموال الإيرانية المحتجزة، كاليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، كإبداء لحُسن النية البايدنية تجاه طهران. فهل تكفي؟. لا يبدو أن أصحاب القرار في إيران مقتنعون بالخطوات الأميركية المتواضعة إزاء مطالب طهران. فإذا بقي الأخذ والرد قائماً من دون أي خطوات عملية منتجة، فهل يبقى الأميركيون يتجاهلون الساحات الأخرى في الإقليم؟ لا يوجد مؤشر حتى الساعة يوحي بأن هناك سيناريوهات أميركية بديلة أو موازية للتعاطي مع بيروت ودمشق وبغداد بإنتظار الإتفاق مع الإيرانيين. هل يبقى لبنان يراوح في أزمته الحكومية من دون أي إكتراث أميركي؟.
يحاول الفرنسيون أن يضغطوا لترجمة مبادرتهم تجاه لبنان، لكنهم يصطدمون بعدم إهتمام إدارة بايدن، رغم تطرق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الاميركي للملف اللبناني، لكن لم يتبدّل شيء، وإكتفى الأميركيون بإعلان مواقف فضفاضة، وفي احسن الاحوال الإكتفاء بدعم مبادرة ​باريس​ في الشكل.
يأتي تصرف واشنطن إزاء لبنان متوازياً مع موقف المملكة العريية السعودية، من دون تنسيق بينهما. لا تريد الرياض التدخل مع اللبنانيين كما جرت العادة منذ إتفاق ​الطائف​، بدعم او حث أو ضغط او تمنّ، لإعتبارات عدة لها علاقة بأمرين أساسيين: أولاً، تركيز ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إهتمامه في داخل المملكة وتطوير إمكانياتها الإقتصادية والبنيوية. ثانياً، عدم رغبة الرياض تقديم دعم لحكومة تضم ممثلين عن "حزب الله". وعليه، لن يغيّر السعوديون رأيهم، الاّ في حال إستطاع ماكرون خلال زيارته المملكة الشهر المقبل الإستحصال على دعم سعودي لحكومة يشكّلها رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري.
لكن، لا يبدو أن لبنان متروك لقدره في إكمال مشواره السريع نحو الهاوية نتيجة تدهور مستمر. بدا الإهتمام الإماراتي لافتاً به في أكثر من إتجاه، وخصوصاً بعد زيارة الحريري ابو ظبي منذ ايام. تستطيع دولة الإمارات ان تلعب دوراً إيجابياً في لبنان، وهي أبدت نوايا طيبة بالإفراج عن لبنانيين كانوا موقوفين لديها. كما أن الجهود الإماراتية تتلاقى مع مساعٍ روسية لإحتضان لبنان في أوقاته الصعبة. سبق وسمعت كلاماً روسيّاً مسؤولاً منذ أسابيع: لن يسقط لبنان. ورداً على سؤال وجّهته للشخصية الروسية ذاتها، قال إن روسيا المهتمة بسوريا لن تسمح بأن يصبح لبنان خاصرة رخوة. وعليه، فإن الروس والإماراتيين يحضرون إلى لبنان بمهام دعم الجمهورية، وطناً وشعباً. هما لا يملكان أجندة تقسيمية للمجتمع اللبناني، كما حال السياسة التركية التي تسعى في عهد رئيسها رجب طيب أردوغان أن توسّع النفوذ تنفيذاً لمصالح تركية لا غير، تحت عناوين إسلامية او وجدانية، بعدما حاول إستغلال النازحين السوريين في ساحته لتحقيق مآربه. ربما كان المخطط توظيف النازحين انفسهم، ومنهم في لبنان، لخدمة مصالحه وسياسته بدول الإقليم.
لذا، فإن الخطوات الإيجابية المرتقبة من الروس والإماراتيين تُكمل مسار تعاطي موسكو وأبوظبي مع سوريا، في محاربة الإرهاب، وفي دعم الشعبين اللبناني والسوري بكل إتجاه. لتصبح المعادلة: يغيب الأميركيون عن بيروت، يُحبط الأتراك في لبنان، ينجح الروس والإماراتيون ومعهم سوريا ومصر في إمساك لبنان منعاً لوقوعه في قعر الهاوية الإقتصادية التي تجر خلفها مخاطر أمنية.