منذ "انطفأت" شعلة "انتفاضة" السابع عشر من تشرين الأول، يصرّ الناشطون والناقمون على ​السلطة​ أنّ الأخيرة "كسبت" معركة لكنّها لم تربح "الحرب"، وأنّ جولاتٍ جديدة ستكون بانتظارها طالما أنّ "العقليّة" التي تدير من خلالها البلاد لا تزال نفسها.

ومنذ السابع عشر من تشرينالأول 2019 حتى اليوم، وبعيدًا عن "سَكرة" الانتصار التي عاشتها السلطة، بعد أن نجحت في "حماية" نفسها من "القتل الرحيم" الذي كانت تستحقّه، لم توفّر لشعبها أيّ "مقوّمات" تعطيها الحدّ الأدنى من "الحصانة"، وتَقيها على الأقلّ من تكرار التجربة.
هكذا، "تمادت" السلطة خلال هذه الفترة في "تكريس" نهجٍ أثبت "عقمه"، وتكرّس في أسوأ صوره على خطّ تشكيل ​الحكومة​، التي لا تزال "عالقة" بين حصّةٍ "وازنة" يصرّ عليها هذا الفريق، وحقيبةٍ "دسمة" لا يقبل ذاك بأيّ نقاش قبل منحه "امتيازها".
وبين هذا وذاك، لم تكترث هذه السلطة لواقع "مأسوي" يتخبّط خلفه المواطنون، وأحوال اقتصاديّة واجتماعيّة أكثر من تعيسة، باتت "تجمع" من لا يمكن أن يجتمعوا، من اليمين واليسار وما بينهما، قد تكون جائحة ​كورونا​ زادتها صعوبة، إلا أنّ "جوهرها" في مكانٍ آخر...

"جهنّم" وأكثر!

في اليومين الماضييْن، استعادت بعض الساحات بعضًا من مشهديّة السابع عشر من تشرين الأول في صورتها المبدئيّة ​الجامعة​، بوتيرة قد تكون عفويّة، وربما تلقائيّة، وقد لا تكون. عاد ​قطع الطرقات​ ليطبع المشهد، مع مواطنين "غاضبين"، لا قدرة لهم على الصمود والتحمّل، بعدما استنفدت السلطة كلّ طاقةٍ كانوا يتمتّعون بها في يومٍ من الأيام.
لعلّ "الاستنفار" الذي شهدته بعض الشوارع في العاصمة ​بيروت​ ومختلف المناطق لم يكن غريبًا، فهو جاء نتيجة تسجيل ​الدولار​ مستويات غير مسبوقة، تجاوز معها حاجز العشرة آلاف ليرة ​لبنان​ية، مقارنةً بسعر صرف رسمي لا يزال "جامدًا" عند حدود 1500 ليرة، وسعرٍ ثانٍ تعتمده "المنصّة"، وثالثٍ للسوق السوداء، وأسعار بالجملة بينها.
فمع أنّ وصول الدولار إلى هذا الحاجز كان متوقَّعًا، وفق تأكيد معظم الخبراء الاقتصاديّين، ولا سيما أولئك غير المنحازين، الذين يذهبون في "واقعيّتهم" لحدّ التبشير بأنّ سعر الصرف بات "مفتوحًا وبلا أفق"، وقد يتخطّى الكثير من الحواجز والمحظورات في القادم من الأيام، إلا أنّ دلالاته قد تكون أكثر من "كارثيّة" على مواطنين لا حول ولا قوّة لهم.
ولأنّ الأرقام خير معبّر، قد يكون من المجدي قراءة "مدلولات" سعر الصرف "الخياليّ"، بالعلم في المقام الأول، فهو يعني تلقائيًا أنّ الحدّ الأدنى للأجور، الذي تتمحور حوله معظم ​الأجور​ أصلاً في لبنان، والتي لم تتغيّر بمعظمها منذ بدء تراجع قيمة العملة الوطنية قبل عام ونصف، أصبح بحدود 68 دولارًا فقط لا غير، وهو رقمٌ لا يحتاج أيّ تعليق.
لكنّ "الكارثة" تصبح أكبر عندما يقترن هذا الرقم بالمزيد من الأرقام المُعلَنة منذ فترة من جانب المؤسسات الدولية المعنيّة، وفي مقدّمهاازياد نسبة ​الفقر​ الذي بات أكثر من نصف السكان تحت خطه، وخصوصًا بعد تآكل ما كانت تُعرَف سابقًا بالطبقة المتوسطة، توازيًا مع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والأساسية، بنسبة 144 في المئة، وفق تقديرات ​صندوق النقد الدولي​.

مقوّمات "​الثورة​" حاضرة؟


استنادًا إلى ما سبق، قد لا يكون مُبالَغًا به القول إنّ اللبنانيّين الذين باتوا في "ذروة" الانهيار الاقتصاديّ، يقبعون اليوم عمليًا في قلب "جهنّم" التي "بشّرهم" بها ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ قبل أشهر، في حال عدم ​تأليف​ حكومة، من دون أن يتكبّد المسؤولون عناء تسهيل ولادة هذه الحكومة التي لا تزال تنتظر "توافقًا مستحيلًا".
واستنادًا إلى ما سبق أيضًا، تصبح "الثورة" بالمعنى الحرفيّ للكلمة، حقًّا أكثر من مشروع للشعب المظلوم، الذي لا ترى فيه الطبقة السياسية سوى "وقود" توظّفه ساعة تشاء لتأجيج توتّر هنا، أو تزكية خلافات هناك، وتتجاهله في ساعات المحن ولحظات الشدّة، والذي لم يعد قادرًا على تأمين قوت يومه، ولو بالحدّ الأدنى المُتاح.
إلا أنّ هذه "الثورة" تبقى، حتى إثبات العكس، أمرًا بعيد المنال، لا لأنّ السلطة "قوية وقادرة"، علمًا أنّ الكثير من مسؤوليها غابوا عن السمع في ​الساعات​ الماضية، أو بكلّ بساطة "تنصّلوا" من كلّ المسؤوليات، ووضعوا أنفسهم في موقع "المتلقّين"، ولكن لأنّ اللبنانيين باتوا "أعداء أنفسهم"، إن جاز التعبير، "يجهدون" لإجهاض أيّ اعتراض في مهده.
هكذا، وُجِد بين اللبنانيين من "ينتفض" اعتراضًا على الاحتجاج وقطع الطرقات، حتى لو بقي في إطاره "السلميّ"، مستهزئًا من أيّ تحرّك لأنّه بكلّ بساطة لا يمكن أن يؤدّي إلى "تراجع" الدولار، من دون أن يسأل أحدٌ إن كان قادرًا على "إجبار" طبقة سياسية مجرمة في حقّ شعبها، على تغيير "الذهنيّة" التي تتعامل معها، والتي باتت توظّف أصلاً الدولار في "محاصصتها".
وفي السياق نفسه، وُجِد وسيوجد بينهم من لن يتردّد في "تخوين" أيّ حراكٍ اعتراضيّ، إن قُدّر له أصلاً أن يتجاوز المرحلة الأولى، ويتطور ليرقى لمستوى "التأثير"، تمامًا كما حصل في السابع عشر من تشرين وقبله وبعده، في مفارقةٍ تصبح مبكية وغير مضحكة، عندما يكون "المخوِّنون" أول المتضرّرين من السياسات الاقتصادية التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه.

"منطق الضعفاء"


لا شكّ أنّ "تحليق" الدولار وتسجيله نسبًا قياسيّة في السوق السوداء خلال الساعات الماضية، خلق "غضبًا" مفهومًا ومبرَّرًا لدى شريحة واسعة من اللبنانيّين، ممّن لم يعودوا قادرين على إيجاد "موطئ قدم" لهم في هذا الوطن، الذي لا يمرّ يوم من دون إعطائهم المزيد من عوامل "الإذلال والإهانة".
لكّنه، في المقابل، خلق جوًّا مغايرًا تُرجِم على منصّات التواصل الاجتماعي خصوصًا، من خلال "السخرية" من واقع الحال الذي وصل إليه ​اللبنانيون​، الذين بات بعضهم ينتظر أن يسجّل الدولار رقم "10452" لـ"رمزيّته"، فيما انتشرت "النِّكات" المبكية وغير المضحكة، كالنار في الهشيم بين اللبنانيّين، كـ"فشّة خلق" ربما.
لكن، بين "الغضب والسخرية"، يبقى الأكيد أنّ وسائل التعبير، على اختلافها وتنوّعها، لا تدلّ سوى على واقع "الإذلال" الذي يعيشه اللبنانيون، واقع قد تصبح "الثورة" عليه واجبًا لا خيارًا، بعيدًأ عن استخفاف لا يسمن ولا يغني من جوع، وعن "تخوين" بات "منطق الضعفاء" إلى حدّ بعيد!.