حَلَمَ رَئيسُ ديرٍ بِأنَّهُ واقفٌ في السَّماءِ أمامَ بَابٍ مُحكَمِ الإغلاق. فَطَرَقَهُ بِيَدِهِ وكُلُّه ثِقَةٌ بِأنَّهُ سَيُفتَح لَه، كَيفَ لا وهُوَ مُتَمِّمُ الصَّلواتِ يَومِيًّا، والصَّائمُ المُجتَهِدُ، ومُلتَهِمُ الكُتُبِ الرُّوحِيَّةِ بِشَراهَةٍ كَبيرَة!.

ولكن في الحَقيقَةِ حَدَثَ عكسُ مَا كانَ يَتوَقَّعُهُ، إذ سَمِعَ صَوتًا مِن خَلفِ البَابِ يَسألَه: مَنِ الطَّارق؟
فَأجابَ بِاعتِزازٍ كَبيرٍ: أنا فُلان. وبدأ يَسرُدُ جِهاداتِهِ وأصوامَهُ وكُلَّ ما يَفعلُه. وكانَتِ المُفاجَأةُ الّتي صَعَقَتهُ أنَّ البابَ لم يُفتَحْ وبَقِي وحده خارِجًا.
وفِي الصَّباحِ استَيقَظَ حَزِينًا، وقَالَ في نَفسِهِ: هَذا حُلُمٌ، ورُبَّما اختَلَطَ الأمرُ عَليهم في السَّماءِ ولم يَعرِفُوني، وإلّا بالتّأكيدِ كانُوا استَقبَلُوني استِقبالًا حارًّا.
وبعدَ فَترَةٍ رَاوَدَهُ الحَلُم ذاتُه. ففعلَ الشَّيءَ نفسَهُ: أنا فُلانٌ، وبَدأ يُفاخِرُ بِأنَّهُ يَبقَى مُستَيقِظًا طِوالَ اللّيلِ في السَّهرانِيَّاتِ مُرَتِّلاً ومُسَبِّحًا، وبِأنَّهُ فاعِلُ خَيرٍ.


وكما في المرَّةِ الأُولى بَقِيَ البَابُ مُوصَدًا في وَجهِهِ، وهو في الخارج. فَاستَيقَظَ خَائِبًا.
مَرَّ وَقتٌ وهُوَ يُفَكِّرُ بِمَا حَلَمَ بهِ، ومَا حَصَلَ لَه. فكانَ يُمضِي وقتَهُ سَاجِدًا بَاحِثًا عَنِ الجَواب. وكانَ يَسألُ نَفسَه: هَل أعمالي نَاقِصَة؟ هل صَلواتِي غيرُ مَقبُولَة؟ هل أنا حَاقِدٌ على أَحَد؟ هل أُسيءُ مُعامَلةَ أحَد؟
وذَاتَ صَباحٍ رَأى انعِكَاسَ وَجهِهِ على بِركَةٍ صَغيرةِ في حَديقَةِ الدَّيرِ حَيثُ كانَ يَمشي حَامِلًا مَسبَحَتَه مُصَلّيًا: يا ربّي يسوعَ المَسيح ارحَمني أنا الخَاطِئ. فتوقّفَ لِبُرهَةٍ وبَدأ يَتأمَّل. وهُنا تَذكَّرَ آيةَ مَزمُورٍ: "اطْلُبُوا وَجْهِي"(مزمور ٨:٢٧).
عِندها شَعرَ بِنَفسِهِ أنَّهُ وَجَدَ الجَوابَ الّذي كانَ يَبحَثُ عَنه.
وهذا ما حَصَل. إذ في اللّيلَةِ ذَاتِها أتاهُ الحُلم للمرّة الثَّالثة. وعِندما سُئِل مَنِ الطَّارق؟ أجابَ على الفَور: أَنتَ هُوَ الطَّارقُ يا سَيِّدي. عِندها فُتِحَ له البابُ واستَقبَلَهُ السَّيِّدُ وضَمَّهُ إلى صَدرِه.
فما الّذي حَصَل، ومَا الّذي تَغيَّر؟ بِكُلِّ بَساطَة، لقد سَقَطَ جَبلُ الأنا الّذي في داخِلِه، وظَهَرتْ صُورَةُ المَسيحِ فِيه. فَكُلُّ عَملٍ لِتمجِيدِ الذَّاتِ مَهما عَظُمَ لا مَكانَ لَهُ في مَلكُوتِ السَّماوات.
يَقولُ المَزمورُ: "بِنُورِكَ نَرَى نُورًا"(٩:٣٦). هَكذا نُؤمِنُ وهَكذا نُصَلِّي: بِنُورِكَ نُعايِنُ النُّور.


وهذا مَا شَهِدَ عَلَيهِ بُولُس الرَّسُول: "هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ"(٢كورنثوس ٦:٤).
مَا أجمَلَ أن نَستَيقِظَ مِن سُباتِنا العَميقِ ونَرى وجهَ المَسيح. هذا الاستِيقاظُ لا يُمكِنُ أن يَتِمَّ إلّا بِإفراغِ الذَّاتِ مِن كُلِّ شَهوةٍ ضَارَّةٍ، وأوَّلُها تَمجيدُ الذَّاتِ وعِشقُ الأنا. وقد كانَ لنا الرَّبُّ خَيرَ مِثالٍ وَسَبِيلٍ في ذلك، فقد أخلى ذَاتَهُ وأصبحَ إنسَانًا مِن دُونِ أن يَفقِدَ أُلوهِيَّتَهُ، و"وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتِ مَوْتِ الصَّلِيبِ"(فيلبي ٨:٢).

هُنا يَكمُنُ السِّرُّ كُلُّه، وهُنا يَكمُنُ العُبورُ الآمِنُ والأَكيدُ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّة: "الصليب".
ولِهَذا تَرفَعُهُ الكَنيسَةُ في الأَحَدِ الثَّالِثِ مِنَ الصَّومِ مُرَتِّلَةً "لِصَليبِكَ يا سَيِّدَنا نَسْجُد وَلِقِيامَتِكَ المُقَدَّسَة نُمَجِّد". هذا الارتِباطُ الوَثيقُ بَينَ الصَّليبِ والقِيامَةِ هُوَ الخَلاص.
فمَن عَشِقَ السَّيِّدَ تَمثَّلَ بِهِ وصَلَبَ أنانِيَّتَه القَاتِلَةَ والمُدَمِّرة. وهُناكَ وَصفٌ لِلأَنا للفَيلَسُوفِ الفَرنسيّ Blaise Pascal، "Le moi est haïssable". نعم، كم بغيضٌ هذا المَرضُ، وكم هُوَ مُدَمِّرٌ لِصاحِبِهِ الّذي يَنتَفِخُ مِن ذَاتِه وينجَبِلُ بِالبَاطِل.
ومُحارَبةُ هذا المَرضِ لا تَتِمُّ الّا بِاشتِهاءِ الصَّليب، الّذي يَبدو صَعبًا جدًّا، وثَقيلًا في البِدايةِ، ونِهايَتُه مَوت، ولَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ فرحٌ وحَياة. وإنِ كان القدّيسون يفتخرًونَ بشيءٍ فهو الصَّليب، فَنرى الرَّسولَ يُعلِنُ ذلكَ مُجاهَرَة: "حَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ"(غلاطية ١٤:٦).
واشتِهاءُ الصَّليبِ والافتِخارُ به لا يُمكِنُ أن يتحَقَّقَ إلّا بِاستِبدَالِ عِشقٍ بِعِشقٍ آخَر. أي أن يَستَبدِلَ الإنسانُ عِشقَه لِذاتِهِ بِعِشقِهِ لِمَن بَذَلَ نَفسَهُ مِن أجلِه.


هَذا هُوَ الجِهادُ الحَسَن. وهُنا تَحديدًا نَكتَشِفُ الحُبَّ العَظيمَ الّذي يَفتَحُ يَدَيهِ لِيَضُمَّ الجَميعَ إلى صَدرِه.
فعندما نُصبِحَ جَميعُنا "هُوَ" نُصبِحُ جَميعُنا واحدًا بِه. تَجمَعُنا مَحبَّتُه اللامُتنَاهِية، ونَفدِي ذَواتَنا مِن أجلِ الآخَرين، كما افتَدانا هُوَ على الصَّليب. هنا الانفِتاحُ يُلغي التَّقوقُع.
فبَعدَ جُحُودٍ طَويلٍ صَرخَ الكَاتِبُ الفَرَنسيُّ الشَّهيرُ" شارل بيغي"، في حزيران عام ١٩١٢م، عِندَما رأى الصَّليبَ على بُرجِ كَاتدرائيّة Chartres، وذلكَ بَعدَ مَسيرَةِ ١٤٤ كلم سَيرًا على الأقدَام: "سَقَطت كُلُّ شَوائِبي في لَحظَة".
صَرختُهُ هَذهِ في عُمقِهَا شَابَهت صَرخةَ قَائدِ المِئةِ تَحتَ الصَّليب: "حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ"!(مرقس ٣٥:١٥).
فأمامَ صَرخَةِ الرَّبِّ العَظيمَةِ على الصَّليبِ، والّتي مَجَّدتِ المَسكونَةَ جَمعَاءَ بِفِدائهِ العَظِيمِ لَنا، نحن مَدعُوونَ لِنَضُمَّ خَلَجاتِ قَلبِنا إلى خَلَجاتِ قَلبِ القِدِّيسِ غريغوريوسَ اللّاهُوتِيّ، والّتي تَرجَمَها بِالتّالي: عِشقي مَصلُوبٌ، عِشقي قَائِم.
هذا العِشقُ إن أحسنّا تَرجَمَتَهُ حَياةً تَسقُطْ شَوائبُنا ونَجذُبِ الآخَرِينَ، ونَجِد أبوابَ السَّماءِ تُفتَحُ لنا على مِصراعَيها.
وأختُمُ بِقَولٍ للفَيلَسوفِ الألمانيّ "نيتشه" لَطالَما استَفَزَّني: "في الحَقيقَةِ لا يُوجَدُ إلّا مَسيحيٌّ واحِدٌ وهُوَ مَاتَ عَلى الصَّليب".
ويُعَلِّلُ قَولَهُ هَذا بِمُشاهَداتٍ سَجَّلَها عَن مَسيحيّينَ، كانَ يَراهُم يَؤُمُّونَ الكَنائِسَ، ويجلِسونَ على المَقاعِدِ الأمَامِيَّةِ ولَكِنَّهم تُعسَاء. ويُكمِلُ، "يتكَلَّمُونَ في الكَنِيسَةِ عن المَحَبَّةِ لِجَلبِ النَّاس، ولكن لا نَحصُدُ إلّا الألمَ الخَام، وفي الوَسَطِ رَجلٌ مُسَمَّرٌ يَنزِفُ".
لَستُ هُنا لِأَدِينَهُ بَل لِألُومَ نَفسي أوَّلًا. فَكم مِن إنسانٍ جَحَدَ لأنَّهُ صُدِمَ، وكم مِن داخِلٍ خَرجَ ولم يَعُد بَعدَما ارتَطَمَ بِأُنَاسٍ جَعلُوا مِن أنفُسِهم أَصنَامَ آلِهَةٍ بِاسمِ المَصلُوب؟.
ولَكِن يَبقى شَرحُ القِدّيسِ مَكسِيموسَ المُعتَرِفِ خَيرَ دَواء: مَن نَظَرَ إلى المَصلُوبِ بِحَقٍ خُتمَتْ جِراحُه، ومَن تَفرَّسَ بِالمَصلُوبِ تَفتَّتَ قَلبُهُ حتّى ولو كانَ حَجَرًا.
إلى الرَّبِّ نَطلُب.