يبدو أَنّ الكلمة-الفصل في اعتذار رئيس ​الحكومة​ المُكلّف ​سعد الحريري​ عن تشكيل الحُكومة ​الجديدة​ الموعودة مُنذُ حوالي عشرة أَشهُر أَو عدم اعتذاره إِلى الآن، لا تكمُن في الحركة الدّاخليّة الّتي يقوم هوبها، وعلى أَهميّة تلك الحركة في مُحاولة تهدئة السّاحة ليس إِلَّا، ولكن كلمة الفصل إِنّما هي في مكان آخر!...

ولذا فقد شاع أَنْ "لا اعتذار للحريري قبل كلمة السّر السّعوديّة لترشيح بديلٍ". ويُؤشّر هذا الكلام إِلى أَمرَين اثنَين: الأَوّل أَنّ قرار الاعتذار رهن التّوقيت السّعوديّ، والثّاني أَنّ الجُهود المحليّة للوقوف في وجه التيّار الإِقليميّ السّعوديّ الجارف، وغير الرّاغب إِلى الآن في عودة الحريري رئيسًا للحُكومة لن تُجدي نفعًا، بل قد تكون بمثابة حبّة الـ"بانادول" لمن تفشّى داء السّرطان في جسمه!...
فأَوان العفو الملكيّ السّعوديّ عن الحريري لم يحن بعد، والدّليل فشل رئيس الحكومة السّابق فؤاد السّنيورة في الاستحصال على إِذنٍ سعوديٍّ، يُخوّل رئيس الحُكومة المكلّف زيارة السّفير السّعوديّ في لُبنان وليد البُخاري...
لذا، فقد نصح أَفرقاء إِقليميُّون بارزون قياداتٍ لُبنانيّةً، بضرورة التروّي والتّهدئة السّياسيّة والحُكوميّة، وانتظار إِشاراتٍ خارجيّةٍ بقُرب نُضوج تسويةٍ محليّةٍ ودوليّةٍ ستُساهم في إِنقاذ الحُكومة الوضع اللُبنانيّ، وحتّى ذلك الحين... لا حَوْل ولا قوّة!.
وما زاد في طين الانهيار السّريع في لُبنان بلّةً، التّقاعُس على مُستوى الطّبقة الحاكمة مُنذُ 1990 ولغاية اليوم، عن المُضيّ في ​سياسة​ إِصلاحاتٍ شاملةٍ، وتعزيز دور الرّقابة وإِطلاق يد ​القضاء​، ما جعل ​الفساد​ ينمو في الأَرض اللُبنانيّة الخصبة كما ينمو الفطر!... ولو كانت أَجهزة الرّقابة في لُبنان فعّالةً... ولو كانت ثمّة محاسبةٌ للفاسدين، لما وصل الأَمر بنا إِلى حافة الانهيار أَصلًا، ولما تمادى الفاسدون، ولا بقَوا في مناصبهم إِلى الآن... ولا دخل ​لبنان​ دوّامة العقد السّياسيّة المُستعصية على الحلول، ولا بلغ بجدارةٍ مرتبة الدُّول الأَكثر فقرًا على الإِطلاق!...
ويكفي في هذا المجال رصد مصير رئيس الحُكومة الإِسرائيليّة السّابق ​بنيامين نتانياهو​، وهو أَطول السّاسة الإِسرائيليّين بقاءً في السُّلطة مُنذُ العام 2009، والّذي تضرّر من إِخفاقه المُتكرّر في انتزاع الفوز في ​الانتخابات​ مُنذُ العام 2019، بسبب مُحاكمته الآن في "مزاعم فسادٍ".
عند "العدوّ الإِسرائيليّ"، بحسب ما درجت التّسمية شبه الرّسميّة في لُبنان، ولمُجرّد المزاعم بالفساد... يُشلّ مُستقبل المسؤول السّياسيّ. وأَمّا عندنا، فنتناول الفساد مع خُبزنا اليوميّ، ونرتشفه مع قهوتنا الصّباحيّة، وقد عُجن مع تنباك سجائرنا ومعسّل النّارجيلة... حتّى بات الفساد عندنا "على قَفا مين يشيل"... ولا مَن يُحرّك ساكنًا، ولا مَن يُبالي... إِلى أَن بتنا اليوم على ما نحن، لا حيلة لنا إِلّا في أَن نسأل الله رأفة بنا ولُطفًا، ورحمة بشعبٍ يُصلبُ كُلّ يومٍ، ويُجلد أَلف ألف جلدةٍ!.