مجدّدًا، فَعَل ​المجتمع المدني​ فِعله في معركة انتخابيّة نقابيّة، كان المهندسون "أبطالها" هذه المرّة، ليوجّه بـ"انتصار" صريح وربما غير مسبوق، رسائل واضحة إلى السلطة السياسية والمحسوبين عليها، بأنّ ما كان قائمًا بحكم الأمر الواقع في السابق لم يعد كذلك اليوم، وبأنّ المزاج العام تغيّر، وعلى الأحزاب النافذة أخذ ذلك بعين الاعتبار.

قد يرى البعض في الأبعاد التي أعطيت لـ"انتصار" المجتمع المدني أبعادًا "مسيَّسة" تتخطّى طابع "​الانتفاضة​ النقابيّة"، خصوصًا أنّ الانتخابات النقابيّة، كما الجامعيّة، لم تكن يومًا مؤشّرًا إلى "النبض الشعبيّ" الحقيقيّ، لا سيّما وأنّ الجمهور المُستهَدف فيها، ومعظمه من الفئات الشابة ولا سيّما النخبة، لا "يتقاطع" بالمُطلَق مع جمهور الناخبين الأعمّ.
ويذهب البعض أبعد من ذلك بالقول إنّ تصوير الانتصار وكأنّه "غير مسبوق" قد لا يكون دقيقًا مئة في المئة، إذ إنّ هناك من يكرّر "المعزوفة نفسها"، مع كلّ استحقاق انتخابي، صغُر أم كبُر، في العامين الأخيرين على الأقلّ، علمًا أنّ نقابة المهندسين نفسها شهدت "هبّة جماهيرية" مماثلة في السابق مع انتخاب نقيب "مدني"، من دون أن تترجَم على الأرض.
لكنّ كلّ ما يُقال في هذا السياق في كفّة، وما أظهرته انتخابات نقابة المهندسين في الميدان في كفّة أخرى، وهو ما تشير المعطيات المتوافرة إلى أنّه يخضع للدرس والتقييم اللازمين من قبل القوى السياسية، خصوصًا أنّها أدركت، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، أنّها لم تعد تملك زمام "المبادرة"، بل إنّها فقدت قدرة "السيطرة" التي لطالما تغنّت بها.
قد يكون "التخبّط" السياسيّ الذي رافق الانتخابات وجهًا من وجوه هذا التغيّر الطارئ على المشهد، فأن تضطر القوى السياسية أن "تنسحب" من المعركة، لا يُعَدّ أمرًا عابرًا، ولو وُضِع في خانة "الاختلاف" على مرشح "المواجهة"، علمًا أنّ حاجة هذه القوى، بكلّ تناقضاتها في السياسة وحتى الولاء والانتماء، إلى الاتحاد ضدّ مرشح مدنيّ وحده قد يبدو مثيرًا للدهشة.
أكثر من ذلك، ثمّة في الأوساط السياسية من يقرأ "انتصار" لائحة "​النقابة تنتفض​" المدوّي، رغم "البروباغندا" التي أحاطت بالانتخابات، وحملة "الإشاعات" التي استهدفت المرشح لمنصب النقيب، والتي لم تخلُ من "التحريض الطائفي"، بأبعادٍ مختلفة، استنادًا إلى أنّ كثيرين ممّن صوّتوا للأخير، فعلوا ذلك من دون أن يدركوا فعلاً ماهيّة برنامجه، أو طبيعة "أجندته"، وبلا أن يستندوا إلى مبادئه "الفكريّة" على سبيل المثال.
بهذا المعنى، يرى البعض أنّ نتائج انتخابات نقابة المهندسين لم تشكّل "انتصارًا" جوهريًا للمجتمع المدني، مع أهمية هذا المعطى، بقدر ما كرّست "انكسار" أحزاب السلطة النافذة وقواها التقليديّة، بدليل أنّ التصويت للمرشحين المستقلين جاء بطبيعة "ثأرية" لا أكثر ولا أقلّ، وبهدف إيصال رسالة واضحة لقوى "الأمر الواقع"، إن جاز التعبير.
لكن، إذا كانت السلطة السياسية قد قرأت هذه "الرسالة" بتمعّن ووضوح، فإنّ السؤال المشروع يصبح: كيف ستقارب "الامتعاض" الشعبيّ من الأداء؟ هل تعمد فورًا إلى "ترميم" صورتها، عبر وضع مصالحها جانبًا والتفكير بمصلحة الشعب؟ وهل تكفي الفترة الفاصلة عن ​الانتخابات النيابية​ لإحداث مثل هذا "الانقلاب"؟.
في المنطق العام، يفترض أن تكون "هزّة" ​الانتخابات النقابية​ وما أفرزته من دروس وعِبَر، حافزًا للسلطة السياسية ل​تحقيق​ التغيير المنشود، فتكون الترجمة الفورية والتلقائية في استحقاق ​تشكيل الحكومة​ أولاً، بحيث تتخلّى عن كلّ "الأطماع" التي حالت منذ نحو سنة عن إنتاج مجلس وزاري متجانس، وتضع هدف الإنقاذ نصب عينيها، مع ما يتطلبه من المباشرة بورشة إصلاحية كاملة متكاملة، بما يتناغم مع "شروط" ​المجتمع الدولي​ للمساعدة.
لكن، ولأنّ "المنطق العام" لا وجود له في لبنان، ثمّة من بدأ "يتحسّب" لأسلوب "جهنّمي" في تعامل السلطة يستند، على العكس من ذلك، إلى مسعى لـ"الإطاحة" بأيّ استحقاق انتخابيّ مقبل، علمًا أنّ الحديث عن "تطيير" الانتخابات النيابية المفترضة العام المقبل يتصاعد في الكواليس السياسية بوتيرة عالية، خلافًا للتصريحات العلنية التي تؤكد وجوب إتمام الاستحقاق في مواعيده الدستوريّة.
ولعلّ ​الانتخابات الفرعية​ التي كانت متوجّبة، بعد استقالة نواب ووفاة آخرين، خير نموذج على عدم اكتراث السلطة بالقانون، ما يوحي سلفًا بأنّ "المَخرَج" لتأجيل الاستحقاق النيابي قد لا يكون عسيرًا على السلطة، إذا ما تيقّنت أنّ نتائجها لن تكون "على خاطرها"، علمًا أنّ "بروفا" نقابة المهندسين قد تكون مؤشّرًا أكثر وضوحًا من "التقديرات والإحصاءات" التي اعتمدت عليها لغضّ النظر عن الاستحقاق الفرعيّ.
يقول البعض إنّ المشكلة في لبنان أنّ "البديل الحقيقيّ" لقوى السلطة لم ينضج بعد، وأنّ المجتمع المدني لم يفرز حتى الآن قيادة "جدّية" تستطيع أن تفرض نفسها. لكنّ الواقع الذي أظهرته انتخابات نقابة المهندسين هو أنّ الناس المتململين والمشمئزّين من الواقع الحالي، "يتأقلمون" مع فكرة "مبايعة" أي كان "للثأر" من الطبقة الحاكمة، ولعلّ هذا بالتحديد هو ما "يُرعِب" الأخيرة...