قلعة الشقيف​ في بلدة ارنون وتُعرف تاريخياً باسم (قلعة بوفور - Château de Beaufort) هي واحدة من أبرز القلاع الأثرية والاستراتيجية في جنوب ​لبنان​.

تقع القلعة في قضاء النبطية فوق بلدة ​أرنون​، وتتربع على قمة جبل صخري شاهق (شير) يرتفع نحو 710 أمتار عن سطح البحر، مما يمنحها إشرافاً جغرافيّاً فريداً على مجرى ​نهر الليطاني​ و​سهل مرجعيون​ وكامل قطاع النبطية و​الجليل الأعلى​. تواجه قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان فصلاً جديداً وقاسياً من تاريخها الحربي الطويل؛ حيث بات هذا الحصن التاريخي العتيق يئن تحت وطأة الاستهداف المباشر وعصف القذائف، مما يهدد بزوال معالم أثرية فريدة صمدت لقرون في وجه الغزاة وعوامل الزمن.

وتمنح جغرافية القلعة موقعاً حاكماً يشرف على مجرى نهر الليطاني وسهل مرجعيون والجليل الأعلى وموقعاً دفاعياً طبيعياً فريداً. و هذا التميز جعلها تاريخياً مطمعاً عسكرياً لكل القوى التي مرت بالمنطقة؛ كما تشير المصادر التاريخية إلى أن الرومان كانوا أول من وضع أساسات هذا الموقع، لكن البناء الفعلي للقلعة الحالية يعود إلى العصور الوسطى على يد الصليبيين الذين أطلقوا عليها اسم "بوفور" وتعني الحصن الجميل، بينما يعود اسم "الشقيف" إلى أصول آرامية تعني الصخرة العالية.

وقد شهدت أسوار القلعة تعاقباً تاريخياً حافلاً؛ ففي القرون الوسطى حاصرها القائد المملوكي ​صلاح الدين الأيوبي​ لعدة أشهر حتى تمكن من السيطرة عليها، لتتنقل السيطرة بعدها بين فرسان المعبد والمماليك بقيادة ​الظاهر بيبرس​. وفي العهد العثماني، أعاد الأمير ​فخر الدين المعني الثاني​ ترميمها وتوسيعها لتكون قاعدة لجيشه ومركزاً لتموين لبنان الجنوبي، وظلت معقلاً حصيناً لقواته حتى حاصرها والي دمشق عسكرياً في حملة ضخمة انتهت بسقوط إمارته.

وفي العصر الحديث، تحولت القلعة إلى نقطة ارتكاز ساخنة؛ فشهدت مواجهات عنيفة في السبعينيات والثمانينيات خلال فترة تحصن الفصائل الفلسطينية فيها، تلاها احتلال إسرائيلي طويل انتهى بتفجير أجزاء واسعة من تحصيناتها الأثرية قبيل الانسحاب.

إن ما تشهده القلعة اليوم من تجدد للقصف المدفعي والغارات جوية، وصولاً إلى إحكام السيطرة العسكرية على مرتفعاتها، يُعد انتهاكاً صارخاً وجريمة حرب مكتملة الأركان بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وتستمد هذه الإدانة قوتها القانونية من كون القلعة مدرجة رسمياً من قبل ​منظمة اليونسكو​ تحت بند "الحماية المعززة المؤقتة" بموجب ​اتفاقية لاهاي​ الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية، وموشومة بشعار "الدرع الأزرق" الدولي الذي يفرض تحييدها المطلق عن أي نزاع مسلح.

وأمام هذا المشهد المأساوي، أطلقت الهيئات الثقافية والحقوقية مناشدات عاجلة طالبت فيها المجتمع الدولي ومنظمة اليونسكو بالتدخل الفوري لإلزام القوات المهاجمة بالانسحاب ووقف تدمير المعلم الأثري. كما دعت المناشدات إلى إرسال بعثة تحقيق دولية لتوثيق الأضرار عبر الأقمار الصناعية وتثبيت المحاسبة القضائية. إن حماية قلعة الشقيف اليوم ليست شأناً محلياً بل هي مسؤولية أممية مشتركة لإنقاذ جزء حيوي من الذاكرة الإنسانية العالمية قبل أن تلتهمه نيران الحرب بالكامل.

تاريخياً، كانت القلعة تتحكم بالمرور عبر الطرق التجارية والعسكرية التي تربط الساحل اللبناني (صيدا وصور) بالداخل السوري (دمشق) وعمق فلسطين.

في العصر الحديث، تحولت القلعة إلى "مرصد عسكري" مثالي؛ فالجهة التي تسيطر عليها تملك تفوقاً نارياً وبصرياً كاملاً يتيح لها مراقبة واستهداف التحركات العسكرية على مدى عشرات الكيلومترات المحيطة بها. وقد دفع هذا المعلم التراثي ثمناً باهظاً جراء الاستعمال العسكري المتبادل، مما تسبب بأضرار بنيوية جسيمة كادت تودي ببعض أجزائه؛ فبين عامي 1976 و1982، اتخذت منظمة التحرير الفلسطينية وقوات الحركة الوطنية اللبنانية من القلعة موقعاً عسكرياً متقدماً؛ وذلك بفضل خنادقها الطبيعية، وتحصيناتها الأثرية المنيعة، وإشرافها البصري المباشر على مستوطنات الجليل الأعلى شمالي فلسطين المحتلة؛ تعرضت القلعة خلال هذه الفترة لمئات الغارات الجوية الإسرائيلية وقصف مدفعي مركز ومنتظم، مما أدى إلى تصدع جدران البرج الرئيسي، وتهدم أجزاء من الأسوار الصليبية العتيقة، واندثار المعالم السطحية للحصن الصليبي ـ الإسلامي القديم.

وفي اجتياح ١٩٨٢ توجت هذه المرحلة بمعركة الشقيف الشهيرة في حزيران 1982، حيث قصف الطيران الإسرائيلي القلعة بقنابل ثقيلة جداً قبل اقتحامها من قبل لواء غولاني، مما أحدث دماراً واسعاً في السراديب والأسقف وقُبيل انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في ايار 2000، قام بتفجير المنشآت العسكرية والتحصينات الإسمنتية التي استحدثها داخل القلعة، وأدى عصف المتفجرات إلى انهيار أجزاء حيوية من الأقواس التاريخية والدهاليز والآبار التراثية.

وبعد العام 2000، وضعت وزارة الثقافة اللبنانية بالتعاون مع جهات دولية وعربية خطة شاملة لإعادة إعمار القلعة وترميم الأجزاء المهدمة، وجرى افتتاحها لاحقاً لتستقبل الزوار كمعلم سياحي وطني ومتحف مفتوح. ونظراً للتهديدات المستمرة، نجح لبنان بالتنسيق مع منظمة اليونسكو في إدراج قلعة الشقيف تحت بنود "الحماية المعززة المؤقتة" عام 2024 بموجب اتفاقية لاهاي، ووضعت عليها إشارات "الدرع الأزرق" كرمز دولي لتحييدها عن الصراعات المسلحة.

عادت القلعة مؤخراً لتكون في قلب المعركة الدائرة في قضاء النبطية؛ حيث استهدفتها غارات جوية إسرائيلية وقصف مدفعي مركز تسبب بوقوع أضرار جديدة في الهياكل الحجرية ومحيطها الأثري. واعتبرت السلطات اللبنانية وبلدية أرنون هذا القصف تدميراً ممنهجاً وانتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الدولية وحرمة الآثار المحمية. واليوم أعلن الجيش الإسرائيلي إحكام سيطرته الميدانية على مرتفعات القلعة الاستراتيجية مجدداً، لاستخدام تضاريسها الحاكمة في مراقبة وتأمين منطقة نهر الليطاني ومحور مرجعيون-النبطية.

ينظر القانون الدولي الإنساني والمواثيق الأممية بصرامة بالغة إلى الانتهاكات الأخيرة المتمثلة في القصف والسيطرة العسكرية على قلعة الشقيف، ويعتبرها "جريمة حرب" مكتملة الأركان وانتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الدولية الملزمة. كما مُنحت قلعة الشقيف عام 2024 مرتبة "الحماية المعززة" بموجب البروتوكول الثاني لـ اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح.

كما يفرض هذا التصنيف القانوني حظراً شاملاً ومطلقاً على استهداف الموقع أو استخدامه وإقحامه في أي أغراض عسكرية. وبالتالي، فإن القصف المباشر الذي تعرضت له القلعة والسيطرة البرية عليها ورفع العلم الإسرائيلي فوقها يُعد خرقاً مباشراً لالتزامات الدول الموقعة. يفرض هذا التصنيف القانوني حظراً شاملاً ومطلقاً على استهداف الموقع أو استخدامه وإقحامه في أي أغراض عسكرية.

وبالتالي، فإن القصف المباشر الذي تعرضت له القلعة والسيطرة البرية عليها ورفع العلم الإسرائيلي فوقها يُعد خرقاً مباشراً لالتزامات الدول الموقعة، وعلى الرغم من تثبيت لوحات "الدرع الأزرق" (الشعار الدولي لتحييد الآثار) على أسوار القلعة، إلا أن الاستهداف جرى دون اعتبار لهذه الإشارات القانونية؛ بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُصنف الاستهداف المتعمد للمباني التاريخية والآثار التي لا تشكل أهدافاً عسكرية مباشرة كـ "جريمة حرب" تتيح ملاحقة المسؤولين عنها قضائياً، ووصفت الهيئات الحقوقية اللبنانية مثل جمعية "جنوبيون خضر" والجمعية اللبنانية لحماية الآثار والتراث (ALCAP) هذا التدمير بأنه "إبادة ثقافية ممنهجة"، ومحو للذاكرة الجماعية الإنسانية، كون التراث العالمي ملكاً للإنسانية جمعاء وليس ملكاً لدولة بعينها و يؤكد خبراء القانون الدولي العام أن السيطرة العسكرية وتوسيع العمليات في مرتفعات الشقيف يشكلان خرقاً للمادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي واستقلال الدول ذات السيادة و تُجمع المواقف الدبلوماسية (بما فيها الموقف الفرنسي والمصري) على أن التمدد العسكري نحو الشقيف يُعد انتهاكاً صريحاً لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم (المعلن في 17 نيسان)، فضلاً عن كونه خرقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة مثل القرار 1701 والقرار 425.

كما أصدرت منظمة اليونسكو بياناً رسمياً أدانت فيه بأشد العبارات الهجمات غير القانونية في محيط القلعة ووصفتها بالـ "مجزعة" للآثار التاريخية أيضا تقدمت وزارة الثقافة اللبنانية بطلب عاجل للمدير العام لليونسكو لتعيين "مفوض عام للشؤون الثقافية" (يشترط فيه الحياد المطلق) لإعداد تقرير ميداني إلزامى قانونياً، ليكون الركيزة الأساسية التي سيعتمد عليها لبنان لرفع شكاوى قضائية رسمية أمام محكمة العدل الدولية والمؤسسات الجنائية والأممية ودعت بعثة لبنان لدى اليونسكو إلى "جلسة معلومات عاجلة" مخصصة للملف اللبناني مطلع الشهر المقبل لعرض حجم الدمار وحشد الدعم الدولي لتثبيت المحاسبة القانونية.