خارج السياق، بدا السجال الإعلاميّ والسياسيّ الذي دار في اليومين الماضيين بين فريقي "التيار الوطني الحر" و"حركة أمل"، على خلفية هجوم وزير الخارجية السابق ​جبران باسيل​ على رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​، واتهامه بالتحكّم بزمام الأمور في البلاد، والردّ السريع، وربما "المتسرّع"، لأوساط "أمل" التي وصلت حدّ وصف باسيل بـ"الفاسق"، بشكل غير مباشر.

بدا هذا السجال خارج السياق، لأنّه جاء في ذروة "إيجابية" غير مسبوقة تشهدها البلاد، للمرّة الأولى منذ أشهر طويلة، على وقع "الاندفاعة" التي رُصِدت لحكومة "العزم والأمل"، التي تغيّر اسمها بين ليلة وضحاها ليصبح "معًا للإنقاذ"، والتي مكّنتها من إنجاز صياغة البيان الوزاري في ثلاثة أيام فقط، في رقمٍ قد يكون الأول من نوعه في تاريخ حكومات ما بعد الطائف.
وقد انعكست "الوتيرة" التي افتتحت بها الحكومة، قبل أن "تقلع" رسميًا، بانتظار حصولها على ثقة البرلمان في جلسة مُرتقبة مطلع الأسبوع المقبل، ارتياحًا شعبيًا لافِتًا، ولو بقي حَذِرًا، لأنّ "الامتحان" الحقيقي يبقى مؤجّلًا لما بعد ذلك، مع بدء النقاشات الجدية، والغوص في التفاصيل، حيث أثبتت التجربة أنّ "الشياطين" تبقى بالمرصاد، وبكامل تأهّبها.
في ظل هذه الظروف "الورديّة"، بمُعزَلٍ عمّا إذا كانت حقيقية أم وهمية، جاء السجال بين باسيل وبري ليطرح سلسلة علامات استفهام، فما أهداف "الحركشة" في هذا التوقيت؟ وألم يكن الأجدى الانتظار لأسبوع على الأقلّ، ريثما تنطلق الحكومة جدّيًا؟ وأليس المفترض منهما، وهما الشريكان "غير المباشرين" في الحكومة، إبراز "نيات" التعاون اليوم؟.
قد تبقى الكثير من هذه الأسئلة "معلَّقة" بلا أجوبة، وإن كان كلّ فريقٍ يرمي بكرة المسؤولية عن "المواجهة" على الطرف الآخر، فـ"العونيّون" يعتبرون أنّ ما قاله باسيل جاء في سياق مقابلة تلفزيونيّة شاملة، وردًا على أسئلة محدّدة، وهو لم يكن غريبًا أو غير مألوف، حتى يستحق كلّ "الضجّة" التي أثيرت حوله، والتي لم تخلُ من "المبالغات".
صحيح أنّ باسيل نقل كلامًا عن بري، قد لا يكون مثبتًا، وفيه ما حرفيّته "الله لا يخلّيني إذا بخلّي عون يحكم"، إلا أنّه، في المضمون، لم يحمل جديدًا، إذ أراد باسيل أن يقول مرّة أخرى إنّ بري هو أحد أركان "المنظومة السياسية" التي يتهمها بالفساد والتعطيل، ويعتبر أنّها تتحمّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية عمّا آلت إليه الأوضاع في البلاد.
ولا يجد "العونيّون" في كلام باسيل في هذا الإطار ما يستدعي "الاستغراب"، إذ سبق لباسيل أن قال ما هو أشدّ منه، حتى في مراحل "الهدنة السياسية"، إن جاز التعبير، أو محطات "التقارب" التي حاول "الحليف المشترك"، "حزب الله"، أن يلعب دورًا على خطّها، قبل أن يدرك أنّ الأمر "مستحيل"، ويكتفي بوضع "قواعد اشتباك"، إن جاز التعبير.
في المقابل، لا يضع مؤيّدو رئيس البرلمان كلام باسيل إلا في إطار "الحركشة السياسية" التي لم تكن موفَّقة لا في الشكل، لا سيّما بالنسبة للتوقيت، ولا في المضمون، مشدّدين على أنّ الردّ الذي صدر عن أوساط كتلة "التنمية والتحرير"، وعُمّم عبر وسائل الإعلام، ما منحه طابعًا "رسميًا"، ولو غير مُعلَن، كان ضروريًا، لوضع الأمور في نصابها.
ويرى هؤلاء أنّ لجوء باسيل إلى هذا الأسلوب لا ينمّ سوى عن محاولة "مكشوفة" لرمي كرة المسؤولية عن كاهله، والإيحاء مرّة أخرى بأنّه "في عالم آخر"، رغم أنّه جزء من المنظومة التي يتهمها بالفساد منذ أكثر من عشر سنوات، فضلاً عن أنّ "تياره" هو الذي استلم لسنوات طويلة القطاعات التي يشكو منها اللبنانيون اليوم، ولم يفعل سوى زيادة الحضيض حضيضًا.
بالنسبة إلى المحسوبين على "أمل"، فإنّ باسيل يسعى للإيحاء للرأي العام بأنّ المسؤولين عن التعطيل هم من يخاصمونه في السياسة، ويصوّر نفسه كمن "لا حول ولا قوة" له، فيما القاصي والداني يدرك كيف تعطّل تأليف الحكومة منذ أكثر من عام، وهو الذي يلعب اليوم "لعبة الثقة"، ملوّحًا بحجبها عن حكومة لم تُشكَّل إلا بعد موافقته عليها ومباركته لها.
يقول الفريقان إنّ السجال "انتهى في أرضه"، وإنّه من غير المتوقَّع أن "يتفاعل" كثيرًا في الأيام المقبلة، لكن ثمّة من يعتقد أنّه ليس سوى "بروفا" للآتي "الأعظم" الذي سيتكثّف في المرحلة المقبلة، لأنّ "السرّ" الحقيقي خلف السجال الذي تمّ لا يكمن سوى في الانتخابات النيابية المفترضة في غضون أشهر، والتي "تعهّدت" الحكومة إجراءها في موعدها.
ومع أنّ "تعهّد" الحكومة لا يكفي لـ"ضمان" احترام السلطات للمواعيد الدستورية، في ظلّ "تكهّنات" تحتمل الكثير من الصحّة، بوجود "نوايا مبطنة" لتطيير الاستحقاق، من خلال التذرع بظروف "قاهرة" لوجستية وسياسية، إلا أنّه رغم ذلك أطلق العنان لـ"الأسلحة الانتخابيّة"، ولو من باب "الاحتياط"، وبالحدّ الأدنى.
من هنا، وبعيدًا عن التفسيرات التي أعطيت لسجال بري وباسيل، وللاتهامات المتبادلة بين الجانبين، يعتقد كثيرون أنّ الخلفيّة الحقيقيّة لما حصل تنبثق من وظيفة "شدّ العصب" التي ستتكثّف في الأسابيع المقبلة، خصوصًا أنّ "رهان" القوى السياسية قد يتركّز على جانب "الحشد والتعبئة"، لتعويض "قلّة الإنجازات".
باختصار، إنّها الانتخابات وقد فرضت نفسها على "الأجندة"، دون سابق إنذار، رغم "ضبابيّة" السيناريوهات المحيطة بها، في وقتٍ يسأل كثيرون عن "جدوى" شدّ العصب والتعبئة والحشد إذا كانت السلطة "عاجزة" عن تسيير شؤون الناس بالحدّ الأدنى، أو على الأقل، عن وضع حدّ لفصول "الإذلال" التي يتعرّضون لها!.