الانسحاب الأميركي من أفغانستان بدأ يثير قلقاً خليجياً لا سيما المملكة العربية السعودية، وهو ما دفع مسؤولاً خليجياً إلى القول لوكالة «رويترز» انّ الانسحاب من أفغانستان بمثابة «زلزال مدمّر سيبقى معنا لفترة طويلة».. ولذلك من الطبيعي ان يترك ذلك خيبة أمل في دول الخليج.. وهذا يعني انّ المنطقة مقبلة على تحوّلات دراماتيكية تعكس فشل حروب أميركا واتجاه واشنطن إلى تنظيم عملية تراجعها بما يمكنها من احتواء تداعيات الفشل والتراجع على النفوذ الأميركي من ناحية، ويجعلها قادرة على تركيز قوّتها في الشرق الأقصى لمواجهة التنين الصيني من ناحية ثانية..

ومن الواضح أن هذا التحوّل بدأ من عهد أوباما، وهو يمثل تحدياً للدول التي توالي السياسة الأميركية وخصوصاً دول الخليج التي تعتمد على الحماية الأميركية، لا سيما أنّ إدارة جو بايدن ستواجه ضغطاً كبيراً في الداخل الأميركي للانسحاب من سورية والعراق.. ولهذا ستكون واشنطن أقلّ اهتماماً بالدفاع عن أمن المملكة السعودية، وسوف تتخلى واشنطن أيضاً عن دعم المملكة في الاستمرار في الحرب على اليمن… على أنّ عامل المفاجأة في دول الخليج نابع من أنّ الانسحاب من أفغانستان، أظهر انّ أميركا لا تعير اهتماماً لأحد من حلفائها.. ولا حتى أعوانها وخدمها، وبالتالي لا تراعي مصالح الدول الحليفة التي ستتأثر من الانسحاب ولا تنسق معها وتعلمها بذلك…
من هنا فقد باتت الدول، التي وضعت كلّ بيضها في السلة الأميركية، باتت تعيش حالة قلق من هذه السياسة الأميركية الانسحابية، وما تعنيه من تراجع وانحسار في القوة الأميركية…
يحصل ذلك في وقت تتعزّز فيه التحالفات الروسية الصينية، والروسية الإيرانية والروسية السورية، وكذلك الصينية الإيرانية والسورية.. وتأكيد الرئيس بوتين للرئيس الأسد انّ وجود القوات الأجنبية في سورية ليس له أيّ صفة شرعية لأنها لا تحظى بموافقة الأمم المتحدة ولا موافقتكم.. الأمر الذي فسّر على أنه تمهيد لانطلاق حملة عسكرية لتطهير إدلب من الإرهابيين، وإعطاء الضوء الأخضر لتصعيد عمليات المقاومة الوطنية ضدّ قوات الاحتلال الأميركية والتركية التي توفر الغطاء والحماية والدعم للمجموعات الإرهابيين، وقوى الأمر الواقع، مثل قوات «قسد»…
كلّ ذلك يؤشر إلى أنّ هناك حلفاً استراتيجياً منتصراً، ويتعزز، في مقابل حلف آخر مهزوم يتصدّع، وهذا سيترك تداعياته المباشرة على الصراع العربي الصهيوني.. يضع «إسرائيل» أمام واقع جديد لم تعهده من قبل، واقع تختلّ فيه موازين القوى لمصلحة حلف المقاومة، الذي بات يحيط بـ «إسرائيل» مما يريد من قلق المسؤولين «الإسرائيليين» في اللحظة التي ينسحب فيها جيش الاحتلال الأميركي من العراق وسورية…
إذا كان الانسحاب من أفغانستان إعلان هزيمة مدوية لم تنجح إدارة بايدن من تفاديها، فإنه قد يكون من حسن حظ أميركا أنّ هناك إمكانية ومخرجاً لسحب قوّاتها من سورية بما يحفظ لها ماء وجهها، عن طريق العودة إلى مسار جنيف على قاعدة التسليم بالحلّ السياسي المرتكز إلى احترام سيادة واستقلال سورية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.. وكذلك الانسحاب من العراق في سياق تنفيذ قرار البرلمان العراقي الداعي إلى مغادرة القوات الأجنبية من العراق…