لا تزال إرتدادات أحداث الطيّونة الدَمويّة تتوالى تباعًا، بحيث يعمل أكثر من طرف سياسي على إستغلال ما حصل للنيل من حزب "القوات ال​لبنان​يّة" ومن رئيسه ​سمير جعجع​. فإلى أين يُمكن أن تصل الأمور، خاصة وأنّ بعض التسريبات تتحدّث همسًا عن إمكان تكرار "سيناريو" تفجير كنيسة "سيدة النجاة" في شباط 1994، والذي إنتهى بحلّ حزب "القوّات" آنذاك، وبإعتقال رئيسه؟!.

بحسب رواية خُصوم "القوات"، إنّ ما حدث في الطيّونة في 14 من تشرين الثاني الحالي، هو عمليّة قتل مُمنهجة عن سابق تصوّر وتصميم، جرى التخطيط وتحضير العدّة لها قبل فترة من حُصولها. وبحسب هذه الرواية إستقدمت "القوات" عناصر تتمتّع بخبرة أمنيّة عشيّة موعد التظاهرة ضُدّ المُحقّق العدلي ​طارق البيطار​، وقامت بنشرها على سُطوح بعض الأبنية العالية، لإصطياد المُتظاهرين الذين كانوا يسيرون بشكل سلمي، الأمر الذي أدّى إلى سُقوط سبعة شُهداء والعديد من الجرحى، وكاد يدفع لبنان إلى الفتنة، وربما إلى الحرب الأهليّة. وبحسب رواية خُصوم "القوات"، إنّ ما حصل كان كمينًا مُسلّحًا من تنفيذ قنّاصين بكل ما للكلمة من معنى، وهو لا يُمكن أن يتمّ من دون أوامر عليا تصل إلى رئيس "القوات"، وتتدرّج نُزولاً ضمن هرميّتها.
في المُقابل، وبحسب رواية "القوّات"، إنّ هذه الإتهامات باطلة، وهي عبارة عن كذب وإفتراء، لأنّ من كان مُنتشرًا على سُطوح الأبنية هم عناصر تابعين لأجهزة أمنيّة رسميّة، لتأمين الحماية للقوى العسكرية على الأرض، بحسب روايات الشهود ونواطير الأبنية المعنيّة، ولأن لا مجال عمليًا أصلاً لنشر أيّ مُسلّح "قوّاتي" بهذا الشكل الظاهر، من دون تعرّضه للإعتقال من القوى الأمنيّة، خاصة في مناطق مليئة بالتواجد العسكري الرسمي على أطراف بدارو! وبحسب هذه الرواية إنّ مجموعة من المُتظاهرين إنحرفت عن مسار التظاهرة، ودخلت إلى حيّ سكني في أطراف عين الرمّانة-كما هو مُوثّق بالصوت والصورة، حيث راحت تقوم بتكسير السيّارات وبالإعتداء على المُمتلكات وبتوجيه الشتائم، الأمر الذي إستدعى تدخّلمجموعة من شباب المنطقة كانت في المكان، حيث تبادل هؤلاء الضرب ورمي الحجارة مع المُتظاهرين، قبل أن يبدأ إطلاق الرصاص المُتبادل في مرحلة تالية. وبحسب الرواية القوّاتية إنّ "الفيديوهات" التي هي موضع تحقيق لدى الأجهزة الأمنيّة حاليًا، تُثبت مقتل مُتظاهر لحظة تحضيره لرمي قذيفة "آر بي جي"، وإصابة مُتظاهرين آخرين بنيران عسكري من الجيش، هو موقوف رهن التحقيق بحسب بيان ل​قيادة الجيش​. ودائمًا بحسب الرواية القوّاتية، إنّ الأبنية التي تقع في الجهة الشرقيّة لخط ​طريق الشام​، والتي تعرّضت لإطلاق نيران كثيف من الخط المُواجه بعد شيوع خبر المُواجهات، مَسكونة من قبل سُكان من الطائفة الشيعيّة بأغلبيّتها الساحقة!.
وبغضّ النظر عن الروايتين المُتناقضتين تمامًا، وفي إنتظار أن يقول التحقيق كلمته النهائية، بدأت تنتشر أخبار وإشاعات عن أنّ ما حصل في منطقة الطيّونة، سيُستغلّ ليس لتطيير المُحقّق العدلي الحالي في قضيّة إنفجار المرفأ فحسب، بل للإطباق على حزب "القوات" أيضًا. فهذا الأخير هو حاليًا من دون أيّ حليف فعلي، وأكثر من طرف سياسي يريد إضعافه عشيّة الإستحقاقات الإنتخابية المُقبلة، بدءًا من "​حزب الله​" وُصولاً إلى "التيّار الوطني الحُر"، مُرورًا بقوى مُتعدّدة أخرى، إمّا تُناصب "القوات" العداء، أو لا تأبه لمصيرها بالحدّ الأدنى! فملف إستدعاء جعجع، في الوقت الذي يتمّ فيه تجاهل كل الإستدعاءات ومُذكّرات التوقيف الأخرى، ومنها بحقّ مُتهمين في قضيّة إنفجار الرابع من آب التي أوقعت أكثر من مئتي قتيل وآلاف الجرحى، يهدف إلى إظهار رئيس "القوات" في موقع المُجرم والضعيف في حال حُضوره، وإلى إظهاره كمتهم فار من العدالة في حال تخلّفه عن الحُضور! ومهما كانت نتيجة التحقيق، فإنّ الضجّة التي رافقت أحداث الطيّونة ستُستغلّ لإستفراد جعجع ولمُحاصرة "القوات"، عشيّة الحملات الإنتخابيّة المُرتقبة، أي خلال مرحلة تحضير اللوائح وعقد التحالفات والقيام بحملات التجييش، وذلك بهدف ألاّ تتمكّن "القوّات" من التحوّل إلى الحزب الأكبر نيابيًا، والأكثر شعبيّة، على الساحة المسيحيّة. فهذا الإحتمال الوارد بنسبة لا بأس بها، يُضرّ بمصالح قوى سياسيّة لبنانيّة عدّة على خُصومة مع حزب "القوات"، ومن شأنه أن يمنح هذا الأخير، القُدرة على التأثير بشكل أكبر وأوسع في الحياة السياسيّة الداخليّة المُستقبليّة.
في الخُلاصة، قد لا يكون من المُمكن حاليًا، سجن جعجع بعد سوقه إلى التحقيق بالقُوّة، ولا حلّ حزب "القوات"، وذلك لأكثر من إعتبار، لكنّ الأكيد أنّ الحملة الحاليّة على حزب "القوات" مُؤذية سياسيًا وإعلاميًا ومعنويًّا، وأنّ الضغوط ستبقى مَفتوحة على "القوات" وعلى رئيسها، من اليوم وحتى ما بعد الإنتخابات. فهل تنجح هذه الحملة في تحجيم "القوات" في الإنتخابات المُقبلة، أم أنّ هذا الإستهداف له دون سواه، سيؤمّن تعاطفًا شعبيًا معه في صُفوف الكثير من الناخبين، بحيث تنجح "القوات" عندها في قلب السحر على الساحر؟!.