ان تغادر لبنان بعد زيارة تفقدية للأهل في أصعب ظروف يمرّ فيها اللبنانيون هو بحدّ ذاته شعور لا يُحسد عليه أي مسافر حتى ولو قيل له "نيّالك تارك جهنّم". المسافة من الشمال الى العاصمة هي تماماً كنهاية نبضات القلب المتقطع على حال البلد. لا يشعر المسافر بحاجة الى النطق بكلمة واحدة سوى "يا ضيعانك يا لبنان"! الطرقات خالية من السيارات ومن نبض الناس وكأن الحياة توقفت هنا، شارات ضوئية "مكسّرة" منذ كارثة المرفأ، لأن الدولة غير قادرة على إصلاحها. فلمن ترمَّم المدينة طالما أن اللبنانيين يتسكّعون على أبواب السفارات طالبين الهجرة ولو الى كوريا الشماليّة.

وصلنا الى المطار عند مساء ذاك السبت، مع حقائب خالية بعدما أفرغت حمولتها من أدوية ومواد غذائية مفقودة في لبنان. توجهت الى المرحاض قبل اتمام معاملات الخروج، وكانت المفاجأة عند سماع شجار نسائي بين عاملات التنظيف اللواتي رُحن تشتكين من موظفات السوق الحرّة، اللواتي تهربن من عملهنّ الى المراحيض للتحادث عبر الواتساب مع أصدقائهن، لمدة نصف ساعة على الأقل، لتشغرنَ بذلك المكان، بدل ان تُعطى الأولوية للمسافرين. اما عن منظر هذه الزاوية من المطار الذي كلّف مئات الملايين من الدولارات يوم إنشائه، فالمشهد صادم عندما لا تجد أي صابون او محارم إضافة الى مغاسل قديمة نسيت لونها، فينظر المرء الى حال مراحيض المطار التي لا تشبه أي مطار في دول العالم الثالث، "فبعد بكّير تا نتشبّه بمطارات اوروبا". وإليكم قصة الصبيّة "رقيبة" النيجيريّة، التي أُجبرت على دفع خمس دولارات للسماح لها لدخول المرحاض. الحمدالله! لا زالت "الايد والاجر" في ديارنا عامرة وعند الوصول الى Check in فوجئت بأن نتائج فحص الـPCR قد تتجاوز ساعات قليلة من المهلة المعطاة للسماح بدخول الطائرة. نصحني مكتب المعاملات بإجراء فحص سريع، قرب المطار، كلفته 200 ألف ليرة، مع وجود تاكسي حاضر للمساعدة. وقبل ان ينهي شرح الموضوع، وجدت نفسي مع شباب حاضرين لنقلي للمختبر مع كلمات "تكرَم عينك... وتفضّلي... نحن هنا لمساعدتك في إجراء الفحص خلال نصف ساعة مع مسافة الطريق". وافقت على الفور. وعند الخروج مجدداً من المطار، قال لي سائق التاكسي، ان التكلفة هي 150 دولارا. المفاجأة كانت انني سمعت ثلاثة اتصالات مع السائق، الأول من الطبيب الذي ينتظرني والثاني "يلاّ المدام معي، صرنا واصلين"، والثالث، يلاّ خلصنا وراجعين عالمطار. فسألته "من يسأل عني"؟! وفهمت ان هناك مافيا جاهزة في المطار لتأمين الفحوصات، ولا حول ولا قوة لي إلا إذا دفعت ثمن الـPCR حتى أتمكن من الخروج من لبنان. توعّدت المافيا المذكورة أنني لن أسكت عن الموضوع. وجاءني الردّ "روحي خبّري رئيس الجمهورية إذا بدّك".
وعند دخول مكان الأمن العام، وجدت مجدداً الصبيّة "رقيبة" تبكي بحسرة ، لعدم السماح لها بالمغادرة لأن أوراق إقامتها في لبنان منتهية الصلاحية. حاولت المساعدة وسألت: لماذا تريدون تجديد إقامتها طالما هي مغادرة نهائياً لبنان، ومخدومها قد أمّن لها تذكرة السفر؟ فأجابني الأمن العام ان هذه هي القوانين!...
وبعد الإتصال بمخدومها في الولايات المتحدة الذي أكد للأمن العام أنه جاهز لأيّ مستحقات مالية، مقابل ان تغادر المساعدة في المنزل بكرامة من لبنان. انتهى الأمر بأن عادت العاملة الى منزلها في طرابلس وغادرت في اليوم الثاني بعد دفع 300 الف ليرة لوزارة العمل. بتحرِز هالعرقلة يا معالي وزير العمل؟.
ومع كل هذا، سنرجع يوماً... وأياماً. ولكل طاغية وفساد نهاية، وسيعود لبنان منارة للحضارة ومصدّراً للعلم والثقافة، ولن يترك المنتشرون اللبنانيون أهلهم، والتاريخ شاهد.