في الوقت الذي ينشغل لبنان في العديد من الملفات المحلية الشائكة، كالموازنة العامة والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي وقرار رئيس الحكومة السابق سعد الحريري من الإستحقاق الإنتخابي، دخلت على خط الأزمات المتعددة المبادرة الخليجية-العربية-الدولية، التي حملها وزير الخارجية الكويتي الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح إلى بيروت في عطلة نهاية الاسبوع المنصرم.

في هذا السياق، بات من الواضح أن المطلوب من وزير الخارجية اللبنانية عبد الله بوحبيب أن يحمل معه الجواب، خلال زيارته المرتقبة نهاية الشهر الحالي إلى الكويت، ليُطرح في اجتماع وزراء الخارجية العرب، لكن اللافت كان عدم مناقشة هذا الأمر على طاولة مجلس الوزراء، حيث تم التوافق على أن يكون ذلك من خلال مشاورات تحصل بين كل من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي.
في هذا الإطار، تؤكد مصادر مطلعة، عبر "النشرة"، على عدم وجود موقف لبناني موحد في كيفية التعامل مع هذه المبادرة، حيث بات من الواضح أن القوى المعارضة لـ"حزب الله" تريد الإستفادة من هذه الورقة لزيادة الضغوط عليه، قبل أشهر قليلة من موعد الإنتخابات النيابية المقررة في 15 أيار المقبل، خصوصاً أنها قد تقود إلى تحميل المسؤولية عن الواقع الذي تمر فيها البلاد في السنوات الماضية، بينما في المقابل لجأ الحزب إلى سياسة "النأي بالنفس" في التعامل معها، معتبراً أنه غير معني في الرد عليها بأي شكل من الأشكال.
في مقابل هذا الموقف الرسمي من جانب الحزب، تلفت المصادر نفسها إلى أن قراءة الأوساط المقربة منه تضع هذه المبادرة في سياق الضغوط القائمة عليه، التي لا يجب التساهل في التعاون معها، نظراً إلى أنها قد تحمل مؤشرات على أن الساحة المحلية مقبلة على المزيد من التصعيد في الفترة المقبلة، على قاعدة أن هناك من يريد فرز القوى السياسية، بين من يقف إلى جانب "حزب الله" ومن هو مستعد للوقوف بوجهه، وبالتالي عدم الإستمرار في المواقف الملتبسة، بما قد يحمل معه هذا الأمر من تداعيات خطيرة.
حول هذا الموضوع، تتوقف هذه المصادر عند طرح رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، لناحية التمني على رئيس الجمهورية أن يدعو إلى حوار حول رد موحد على ما طرح في الورقة الكويتية، نظراً إلى أنها تتضمن عناوين حساسة بعضها متوافق عليها وبعضها الآخر هو موضع خلاف بين اللبنانيين، لتطرح علامات الإستفهام حول النتائج التي من الممكن أن تسفر عن مثل هكذا حوار، خصوصاً أن بعض الأفرقاء كانوا قد رفضوا المشاركة فيه، الذي كان ينوي رئيس الجمهورية الدعوة اليه.
في قراءة مصادر نيابية من قوى الثامن من آذار، ان تزامن هذه المبادرة مع قرار الحريري العزوف عن المشاركة في الإنتخابات النيابية لا يبشر بالخير، لا سيما أن ذلك ترافق مع موجة واسعة من التهويل من تداعيات عدم التجاوب معها، بالرغم من أن الجميع، في الخارج والداخل، يدرك صعوبة التعامل مع بعض البنود التي تتضمنها، الأمر الذي يوحي بأنها قد تكون مقدمة نحو تصعيد كبير على الساحة اللبنانية، خصوصاً من جانب بعض الدول الخليجية.
من وجهة نظر هذه المصادر، النقطة المفصلية هي الإيحاء بأن هناك مهلة زمنية من أجل الرد على كافة بنود المبادرة بشكل واضح وحاسم، لا سيما ذلك المتعلق منها بتطبيق القرار 1559 وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الشرعية، الأمر الذي قد يعقد مهمة الوصول إلى حل يقضي بالذهاب إلى رد دبلوماسي "مبهم"، أي تأجيل أي خلاف أو تداعيات من الممكن أن تترتب على هذا الأمر بعض الوقت، على الأقل إلى ما بعد الإنتخابات النيابية.
على الرغم من ذلك، تلفت المصادر نفسها إلى أن هذا المسار التصعيدي كان واضحاً منذ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرياض، خصوصاً بعد البيان الصادر عن القمة التي جمعته مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وتشير إلى أنه تأكد في البيانات التي صدرت خلال الجولة التي قام بها الأخير على الدول الخليجية بعض ذلك، حيث كان من الواضح أن الرياض تريد أن تحشد لما هو قادم، الذي عبرت عنه بالتركيز على الحديث عن دور عسكري لـ"حزب الله" في الحرب اليمنية.
في المحصلة، لدى لبنان أيام قليلة للرد رسمياً على هذه المبادرة، بالرغم من أن بعض الجهات الرسمية حاولت الإيحاء في الأيام الأولى بأن ليس هناك من مهل زمنية مفروضة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه على هذا الصعيد يكمن حول إمكانية أن تقبل الدول الخليجية برد دبلوماسي، لا يخرج عن الإطار المتعارف عليه لبنانياً، لناحية التأكيد على التعامل بإيجابية مع ما تضمنته، مع الإشارة إلى أن بعض البنود الخلافية تحتاج إلى حوار وطني حولها.