مَن مِنّا عِندما كانَ صَغيرًا لم يَحلُمْ بِامتِلاكِ عصًا سِحرِيَّة. وكنتُ في صِغَري، كما الكَثيرينَ، مُولَعًا بِبرنَامَجِ السَّاحِرَةِ Bewitched الذي كانَ يُعرَضُ على تلفزيون لبنان. تِلكَ السَّاحِرَةُ الجَميلَةُ والطيّبَةُ التي كانت تَقومُ بِحَوادِثَ طَريفَة. ولا أُخفِي على أَحدٍ بأنَّني ما زِلتُ أَحلُمُ بِامتِلاكِ هَذِه العَصا، وأَجملُ عَصا هِيَ كَلِمَةُ اللهِ المُتَجَسِّدِ الّذي إذا حَطَّ رِحالَهُ في مَكانٍ جَعَلَ الأرضَ سَماءً وزَرَعَ الخَيرَات، ومَهما عَلا الزُّؤانُ يَبقى مَصيرُه الحَرق، لأنَّ الشرّيرَ مَكانُهُ جَهنَّم، وقدِ انهزَمَ في عُقرِ دارِهِ بالرَّبِّ القائِمِ مِن بَينِ الأموات، وجَعلنا ظافِرينَ مَعَهُ إن قُمنا مِن قَبرِ خَطايانا، وأَعطانا تِلكَ العَصا السِّحريَّةَ الّتي تُحَوِّلُ اليَباسَ جَنَّةً بِالرُّوحِ القُدُس.

وهَا نحنُ اليومَ، كمَا سَبقَ ووَعَدَنا، نَغرِفُ مِنَ الفَنِّ الكَنَسيّ كُنُوزًا جَديدَةً، ومَوضُوعُنا يَتَعَلَّقُ بِجِدارِيّاتٍ مَسيحِيَّةٍ فِيها عَصا، على الرَّجاءِ أن تُوجَدَ عَصا سِحرِيَّةٌ مَعَ أصحَابِ النِّيَّاتِ الطيِّبَةِ لِتَحقيقِ مَا سَبَقَ وتَنبَّأ بِهِ إشَعياءُ عَن لُبنانَ الحَبيبِ: "أَلَيْسَ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ جِدًّا يَتَحَوَّلُ لُبْنَانُ بُسْتَانًا، وَالْبُسْتَانُ يُحْسَبُ وَعْرًا"[1]؟!.

أَتَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سِياقِ تَأديبِ الرَّبِّ للشَّعبِ اليَهُوديِّ الّذي استَبدَلَ وَصايا اللهِ بِمَصلَحَتِهِ الخاصَّةِ، وتَسلّطِ حُكَّامِهِ ومَصالِحِهم، وتَنبَّأَ إشعياءُ عَنهم بِأنَّ الرَّبَّ سيُبيدُ "حِكْمَةَ حُكَمَائِهِم، وَيَخْتَفِي فَهْمُ فُهَمَائِهِم"، الّتي أصلًا لا حِكمَةَ فِيها ولا فَهم، واصِفًا أَعمالَهُم ظَلامًا وخَرَابًا. وَ"البُستانُ الّذي يُحْسَبُ وَعرًا" هُمُ اليَهودُ الّذينَ لم يَأتُوا بِثِمَار. وهَذا مَصيرُ كُلِّ سُوء.

بالعَودَةِ إلى الفَنِّ الكَنَسيِّ الّذي لم يَترَّدَدْ بِاستِعمالِ رُمُوزٍ في تَصاويرِهِ كانَت مَوجُودَةً قَبلَ تَجَسُّدِ الرَّب، ووَضَعَها في إطارٍ كَنَسيّ. مَثلًا، نُشاهِدُ في دَيامِيس رُوما، في Via Anapo(لوحة T1) جِدَارِيَّةً تُظهِرُ الرَّبَّ واقِفًا يَحمِلُ بِيَدِهِ عَصًا، ويُخرِجُ لَعازَرَ حَيًّا مِنَ القَبرِ بَعدَ أن مَضى على مَوتِهِ أَربَعَةَ أيَّام[2].

قد نَظُنُّ لِلوَهلَةِ الأُولى أنَّ يَسوعَ بِحَملِهِ العَصا يَبدُو كَساحِرٍ، ولَكِنَّ الأمرَ لَيسَ كَذَلِكَ على الإطلاقِ، وذَلِكَ لِسَببَين:
الأوَّلُ: يَذكُرُ الأُستاذُ الجَامِعيُّ والبَاحِثُ في الفَنِّ المَسيحيّ القَدِيمِ Lee M. Jefferson في كِتابِهِ[3] عن مُعجِزَاتِ يَسوعَ، أنَّ السَّحَرَةَ في القَدِيمِ كانُوا يَعتَمِدُونَ عَلى كَلِمَاتٍ وحَرَكاتٍ جَسدِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ في أَعمالِ سِحرِهِم، ولا يُوجَدُ أيُّ تَصويرٍ لَهُم يَحمِلونَ عَصًا في الزَّمَنِ المُعاصِرِ لِجِدَارِيَّاتِ الدَّيامِيس[4].

الثَّاني: المَسيحِيَّةُ، إن كَانَ بِفَنِّها أو بِإيمَانِها كَكُلِّ، لم تَفصِلِ العَهدَ الجَديدَ عَنِ العَهدِ القَديمِ، لِهَذه العصا المَوجُودَةِ في يَدِ يَسوعَ، لا عَلاقَةَ لَها بِالسِّحرِ بِتَاتًا، بَل هِيَ تُكَمِّلُ ما فَعَلَهُ مُوسى النَّبيُّ (كأنّه موسى الجديد)، عِندَمَا ضَرَبَ بِعَصَاه الصَّخرَةَ وَخَرجَ مِنها مَاءٌ[5] وشَرِبَ الشَّعبُ العَطشانُ في بَريَّةِ سِينَاءَ، وذَلِكَ كَما طَلَبَ مِنهُ الله.

الصَّخرَةُ كانَتِ المَسيحَ، كَمَا يَشرَحُ بُولُسُ الرَّسُولُ الّذي أَعادَ قِراءَةَ العَهدِ القَديمِ بِكامِلِهِ على ضَوءِ نُورِ المَسيحِ، فَقالَ: "وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ[6]" (لوحة T2).

بِمَعنىً أَوضَح، قَالَ يَسوعُ: "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ[7]". هَذِهِ الآيَةُ تَجمَعُ الكِتابَ المُقَدِّسَ بِعَهدَيه: نُبوءةَ إشعياء "أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ...هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ[8]"، وسِفرَ الرُّؤيا: "وَمَنْ يَعْطَشْ فَلْيَأْتِ. وَمَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا[9]".

كما أَنَّ مَشهَدَ ضَربِ مُوسى الصَّخرَةَ هُوَ مِنَ الجِدَارِيَّاتِ القَديمَةِ جِدًّا في الدَّيامِيسِ، وتُعتَبرُ مَعَ جِدارِيَّاتِ النَّبيّ دَانِيالَ وَسطَ جُبِّ الأُسودِ، والفِتيةِ الثَّلاثَةِ في أَتونِ النَّار، ويُونانَ النَّبيِّ في جَوفِ الحُوتِ، مِنَ التَصاويرِ الّتي تَرمُزُ إلى القِيامَة. وهَذا ما نُرَتِّلُهُ، إلى اليَومِ، في صَلواتِنا.

إذًا، المياه التي يُعطِينا إيّاهَا يَسوعُ هِيَ مِياهُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ غَالِبَةِ المَوت، وهَذا ما أَرانا إيَّاهُ الرَّبُّ بِإقامَةِ لَعازَر.

هُناكَ تَصاويرُ أُخرى مِن جِدارِيَّاتٍ ونُقوشٍ يَظهَرُ فيهَا يَسوعُ حامِلًا عَصا في أَحداثٍ مُماثِلَةٍ ومُختَلِفَة، كَتكثِيرِ الخُبزاتِ الخَمسِ والسَّمَكتَين، وتَحويلِ الماءِ إلى خَمرٍ، وإقامَةِ ابنَةِ يَائيرُسَ، وغيرِها مِنَ الأحداثِ وسَنقُومُ بِشَرحِها لاحِقًا، إن شاءَ الله. كما هُناكَ تَصاويرُ لِبُطرسَ الرَّسولِ يَحمِلُ عَصًا، في قِصَّةٍ قَديمَةٍ تتحَدَّثُ عن وُجودِهِ مَعَ بُولُسَ في السِّجنِ، بِحَيثُ قامَا بِتَبشِيرِ حَارِسَيهِما وتَعميدِهِما بَعدَ أن تَدَفَّقَ الماءُ مِن حَائِطِ السِّجنِ بِشَكلٍ عَجائِبيّ.

ولا بُدَّ مِن لَفتِ النَّظرِ إلى أَمرٍ مُهِمٍّ جِدًّا وهو أَنَّ يَسوعَ هو الرَّاعي الصَّالِحُ[10]، والرَّاعي يَحمِلُ عَصًا. فَتصويرُ العَصا بِيَدِ يَسوعَ مُرتَبِطٌ أيضًا بِهَذا الأمرِ بِشَكلٍ أساسي. مِن هُنا، مَثلًا، تُتَرجَمُ كَلِمَةُ عصا بِالفَرَنسيَّةِ والإنكلِيزيَّةِ في اللّاهُوتِ المَسيحيّ بِكَلِمَةِ "Staff"، بِمَعنى الرَّاعي الّذي يَقُودُ رَعِيَّتَهُ ويَرعَاها.

صَحيحٌ أنَّ العَصا كانَت مَوجُودَةً قَدِيمًا في الفَلسَفَةِ اليُونانِيَّةِ، ومَذكُورَةٌ في مَلحَمَةِ الـ Odyssée، مَعَ إلَهَةِ السِّحرِ Circé، الّتي كانت تُحَوِّلُ بِعَصاها السِّحرِيَّةِ رِجَالَ Ulysse إلى خَنازِيرَ، بَعدَ أن كانَت تَدُسُّ في طَعامِهِم عقاقيرَ شرّيرةً كي يَنسوا أَرضَهُم تَمامًا، فكانُوا يَنُوحونَ مُغَرَّبِينَ، إلّا أنَّ الأمرَ مُعاكِسٌ تَمامًا مَعَ الرَّب، الذي يُريدُ أن يُعيدَنا إلى مَوطِنِنا الأوَّلِ السَّماويّ، بعد أن تَغرّبَنا بسُقوطِنا، لِنَنعَمَ بِالفَرَحِ الّذي لا يَنتهي.

كما يَجبُ ألّا نَنسى أَنَّ المَسيحيّينَ رَفَضوا السِّحرَ بِكُلِّ أنواعِهِ، واعتَبروهُ شَيطانِيًّا، فَكيفَ لَهُم أن يَضَعُوا عَصًا سِحرِيَّةً في يَدِ يَسوعَ أو غَيرِه، ويَجعلُوا مِنهُ ساحِرًا؟ مُستحيل. صَحيحٌ أن لا وُجودَ لأيّ نَصٍّ عن يَسوعَ يَحمِلُ عصًا، إلّا أن المَسيحيّينَ الأوائِلَ وَضَعُوا عصًا بِيَدِ الرَّبِّ لِيقولُوا إنَّ يَسوعَ مُشتهى كُلِّ الشُّعوبِ مُنذُ القِدَمِ، وعَصاهُ عصا "الرِّعايَةِ" مِن أَجلِ خَلاصِ البَشَرِيَّةِ جَمعَاء.

خُلاصةً نَقولُ إنَّ الرَّبَّ يَدعُونا لِنَنضَمَّ إلى رَعِيَّتِهِ لِيَحُلَّ السَّلامُ والاستِقرار. لا طريقان كما يُقال، بل طَريقٌ واحِدَةُ: إمّا أن نَتَّبِعَها أو نَسيرَ عَكسَها، لِذا قالَ لنا: "مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ[11]".

فَعصاهُ هي لِتَجمَعَ بِالمَحَبَّةِ والحَقِّ، وهَذا ما نَحنُ مَدعُوونَ أن نَكونَ عَلَيهِ كُلُّنا.

إلى الرَّبِّ نَطلُب.

[1] إشعياء ١٧:٢٩

[2] يوحنا ٤٣:١١

[3] Christ Miracle Worker in Early Christian Art- Kindle Edition by Lee M. Jefferson

[4] زمن العصور القديمة المتأخرة (L'Antiquité tardive)

[5] "وَرَفَعَ مُوسَى يَدَهُ وَضَرَبَ الصَّخْرَةَ بِعَصَاهُ مَرَّتَيْنِ، فَخَرَجَ مَاءٌ غَزِيرٌ، فَشَرِبَتِ الْجَمَاعَةُ وَمَوَاشِيهَا." (عدد ١١:٢٠)

[6] ١ كورنثوس ١٠:٤

[7] يوحنا ٣٧:٧-٣٨

[8] إشعياء ١:٥٥

[9] سفر الرؤيا ١٧:٢٢

[10]أَ "نَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ." (يوحنا ١١:١٠)

[11] لوقا ٢٣:١١