لم تنجح المبررات التي حاولت "مصادر وزارة الداخلية" تعدادها في وسائل الاعلام، في التخفيف من وطأة "الصدمة" التي اصابت الكثيرين جراء المبالغ الضخمة للمكافآت المالية، التي تم اقرارها لموظفين وعسكريين شاركوا في العملية الانتخابية الاخيرة. فمع التشديد على الحق في مبدأ الثواب والعقاب، ومع التسليم بوجوب مكافأة اي موظف نجح في عمله وبذل جهداً اضافياً لتأمين حسن سير ما تم تكليفه به، الا انه من غير المنطقي ان تكون الارقام "خيالية"، خصوصاً في زمن يعمد فيه لبنان الى شدّ الاحزمة والتقشف ووضع الخطط الاقتصادية والتفاوض مع صندوق النقد الدولي وغيره من المنظمات والدول للحصول على ما تيسّر من اموال لمنعه من السقوط في المحظور.

وبغض النظر عن الامور التي عدّدتها مصادر الداخلية، والتي يمكن التوقف عند كل واحد منها، الا ان النافر فيها كان محاولة اغراق الجيش اللبناني والقوى الامنيّة في وحول هذه المكافآت، من خلال القول ان تعويضات خصصت للاجهزة الامنية والعسكرية بما يعادل 40% من مجمل كلفة الانتخابات وبلغت 115 مليار ليرة لبنانية تم رفعها بموجب سلف... بقولها هذا، وضعت المصادر المذكورة نفسها في مأزق كبير، فإذا كان الهدف من ذلك اظهار ان الجيش والقوى الامنية قد حصلوا على مكافآت لقيامهم بتأمين سلامة العملية الانتخابية، فهي دانت نفسها بنفسها، لانه وفق عملية حسابية بسيطة اذا ما قسّم هذا المبلغ على عديد عناصر الجيش والقوى الامنية البالغ حوالى 120 الفاً تقريباً، نجد ان الرقم الذي حصل عليه كل عنصر لا يصل الى المليون ليرة لبنانية (115،000،000،000/120،000= 959 الف ليرة لبنانية)، فمع الشكر على هذه المبادرة الا انها بالفعل لا تكفي لشراء الماكولات وتأمين التنقل للعناصر كي يقوموا بواجبهم، الذي نجحوا فيه رغم ذلك من خلال بقائهم على مدى 3 ايام كاملة في حال استنفار وتأهب، ومرّ الاستحقاق الانتخابي بأقل قدر ممكن من المشاكل الامنيّة باعتراف الجميع. من البديهي ان يستحق كل عنصر في القوى الامنية مبلغاً اكثر من ذلك، ولكن لا يمكن ان يصل الى عشرات الملايين بطبيعة الحال، ولا ان توازي المكافأة تعويض خدمته الكاملة في السلك العسكري والامني الذي يخدم فيه، ليس لانه لا يستحق ذلك، بل لان الوضع لا يسمح بذلك.
اما اذا كان الهدف نقل كرة النار الى ملعب الجيش والقوى الامنية، فهذا امر آخر لن ينجح ايضاً، لان الجميع يدرك مدى الصعوبات التي يعاني منها من ينتمي الى هذه الاسلاك، حيث ينتظر قادة هذه المؤسسات الهبات على المستويات كافة ليتمكنوا من الاستمرار، حتى وصل الامر الى حد انتظار مساعدات غذائية وطبية قبل المساعدات العسكرية والاسلحة. فهل يحق لاي موظف، مهما كان دوره في اجراء الانتخابات، ان يحصل على مكافأة توزاي مئات المرّات ما حصل عليه العنصر الامني الذي له دور حاسم ايضاً في اجراء الاستحقاق النيابي؟ لا يمكن لاي منطق ان يتقبل هذا الامر، ولم يكن من الواجب اصلاً ادخال الجيش والقوى الامنية في هذه الدوّامة، لان نتيجة هذه المعركة خاسرة سلفاً، فالجميع يقف الى جانب هذه المؤسسات التي تبقى وحدها الحائزة على ثقة الناس.
كان الاجدى بالمصادر ان تؤكد صحة ما قام به وزير الداخلية والبلديات عبر نشر كل قرارات المكافآت، فتقطع الطريق عندها على التأويلات والكلام عن قبض البعض لهذه المكافآت دون سواه، وان تحدد القيمة الحقيقية لهذه المكافآت، فيظهر الابيض من الاسود، ولكن طالما ان الامر لم ولن يصل الى هذا الحد، فالاجدى ان تبحث المصادر عن تبريرات اخرى خارج نطاق الجيش والقوى الامنية، لانه "بيكفيهم اللي فيهم"، او ان تعمل على تعزيز هذه المكافآت من خلال اعادة النظر بالمبالغ الضخمة التي تم تخصيصها لاشخاص فيما تكفي لآلاف من الذين عملوا على انجاح العملية الانتخابية.