33 سَنة إنقَضَت على ذاك الأيلولَ الذي فيهِ صَرَخَ بِالعَالَمِ: "لبنانُ أكثَرُ مِن وَطَنٍ، إنَّهُ رِسالَةُ حُرِيَّةٍ لَلشَرقِ كَما لِلغَربِ".

يَومَها، كانَ لبنانُ في ذُروَةِ الَلحظَةِ التي كانَ فيها الشَرُّ يَفتَرِسُهُ. كانَ وَطنَاً مُشَلَّعاً، وأشلاؤهُ مُتصارِعَةٌ، مُتقاتِلَةٌ، مُتنافِيَةٌ... والعالَمُ في لامُبالاةٍ وَهو مُجَيِّشُ الإصطِراعِ، كَمَن سَتَرَ أعيُنَهُ راضِيَاً أن يَنقَضيَ وَطَنٌ كانَ مِعنىً فَغَدا عِبئاً.

اجَل! في ذاكَ الأيلولَ، وَحدُهُ يوحنا-بولسُ الثاني قامَ شاهِداً لِحَقيقَةِ وَطَنٍ، فأقامَهُ مِن تَحتِ التُرابِ. وَحدُهُ أعطى لِلبنانَ هَذا التَعريفَ الذي مِن إيجابٍ، فيما كافَّةُ تَعريفاتِهِ السابِقَةِ كانَت تَنطَلِقٌ من سَلبِيَّاتٍ: لَيسَ تابِعاً وَلا مُستَتبَعاً، كأنَّما حاجَتُهُ دَوماً التَبريرُ تِجاهَ مُعطى وَصِيٍّ أو التَكفيرُ تِجاهَ وَظيفَةِ إستِكراسٍ. وَحدُهُ إعتَرَفَ بِهِ عَقيدَةً مِن إيمانٍ، وَشرطاً لِنِهائِيَّةِ العالَمِ. وَلَم يَكتَفِ، بَل عَقَدَ جَمعِيَّةً عًمومِيَّةً إستِثنائِيَّةً لِسينودُسِ الأساقِفَةِ، ألزَم بِمُقَرَّراتِهِا التي وَقَّعَها وَثيقَةَ إرشادٍ رَسوليٍّ، الكَنيسَةَ الجامِعَة تَعَهُّدَ قيامَةِ لبنانَ.

اجَل! في ذاكَ الأيلولَ، جَزَمَ يوحنا-بولسُ الثاني أنَّ لبنانَ عِلَّةُ وجودِ العالَمِ، بِشَرقِهِ وَغَربِهِ، لا العَكسُ.

اجَل! في ذاكَ الأيلولَ، كَونَنَ يوحنا-بولسُ الثاني لبنانَ، إذ كَرَّسه مُبَرِّرَ كَونِ العالَمِ، العاجِزِ عَن تَحقيقِ كَونِيَّتِهِ إلَّا بِمُعادَلاتِ المَوتِ، والإستيطانِ في عًبودِيَّةِ عَداواتِهِ وَغِواياتِ غِيِّهِ.

أهِيَ رَسولِيَّةُ لبنانَ تَكونُ في أقصى القَصِيَّاتِ، لِيَكونَ... بِتَعَهُّدِهِ أبعَدَ فَحاوي الحُرِيَّةِ؟.

ساسَةُ لبنانَ ما أدرَكوا مَنالَها. وَهُم أصلاً قُصارى إدراكٍ، وَما بَلَغوا يَوماً أسَسِيَّةَ الصلابَةِ، وَما إكتَفوا إلّا بِشَرَهِ الُلجؤِ المُذِلِّ لأوهامِ السالِبِ الذَميمِ، فَكَيفَ يُدرِكونَ أمانَةَ النُورِ؟.

تَبقى كَنيسَةُ لبنانَ. هِيَ إرتَضَت مَقاصِدَ الخِفَّةِ العابِرَةِ، على الخُطوَةِ المُثلى في الأسمى، فَتَراضَت على إستِشباعِ نَهَمِ المادِيَّاتِ في إصلاحِيَّاتِ الأدنى، كَمَن وَضَعَ نَفسَهُ في الجَبرِ فَما هوَ بِحاصِدٍ إلَّا النَكبَةَ... وَبِها يَستَطيبُ المَلاذَ بإستِدرارِ شِبهِ الدَمعِ على عَنجَهيَّاتِ أطلالٍ.

رِجالُ السياسَةِ غَوثُهُم أنَّ يوحنا-بولسَ الثاني عَبَرَ، وَرِجالُ الكَنيسَةِ غَوثُهُم أنَّ إرشادَهُ الرَسوليَّ لاذوهُ بالإندِثارِ. فَهَل إلَيهِم بَعدُ يُستَنَدُ في أن يَكونَ لبنانُ مَلاذَهُم؟.

الحاني الى التَعَبُّدِ
في تَعَبُّدِ لبنانَ لِلحُرِيَّةِ، حُنُّوُ فِعلٍ كالإيمانِ. بِهِ شَفاعَتُهُ لِلعالَمِ في ساحاتِ الوغى، وَجِراحُهُ لَمَّا تَزَل ظاهِرَةً مِنها. وَقَد تَجَسَّمَت تِلكَ الجِراحُ، أكثَرَ ما تَجَسَّمَت، في لامُبالاةِ العالَمِ الذي يُنَومِسُ إنسياقاتِ اللاإيمانِ.

وَفي تَعَبُّدِ الحُرِيَّةِ لِلبنانَ يَتَطَقسَنُ الحاضِرُ وَيَتَحقَّقُ الآتي، فَيَنقَهِرُ حُكماً دَسَّاسو مَجاريَ البُغضاءِ في سَحاباتِ الشُرورِ.

انا لا أقِفُ أمامَ يوحنا-بولسَ الثاني، اللبنانيِّ، كَمن يَلوذُ بِشَيءٍ مِن فَوقٍ. أنا أجاسِدُ يوحنا-بولسَ الثاني،لأنَّني لبنانيٌّ، مِثلُهُ، في المُضيِّ الى الصَميمِ، كُلَّما ديسَ حَقِّي في لبنانَ. وَلا أبلُغُ ذاكَ الصَميمَ، في تَناصُفٍ بَينَ وجودِ العالَمِ وَجَوهَريَّةِ السَماءِ، إلَّا مِن أجلِ هذا العالَمِ الذي إليهِ أمضي وَهوَ في تيهانِ خَريفِهِ، يَستَطيبُ خَبطَ عَشوائِيَّاتِ أيلولاتِهِ.

وَكُلُّ كِسرٍ لِهَذا الحُنُّوِ، أكثَرُ مِن تَعهيرٍ لِعَفافِ رَسولِيَّةِ لبنانَ وَقُدسِيَّتِها.

أهذِه، قَضِيَّةٌ أكثَرُ مِن حَضارِيَّةٍ؟.

فَليَستَكِن رِجالُ السياسَةِ وِرجالُ الكنيسَةِ في لبنانَ الى مَخادِعِ مُزاوَلاتِهِم وإنعاماتِها. كِفايَتُهُم؟ تَهافُتُ مَرغوباتِهِم لِلفناءِ الذي سَيَطويهِم.

وَكفايَتي؟ أكثَرُ مِن رَجاءِ يوحنا-بولسَ الثاني لِجَديدِ لبنانَ.

كِفايَتي، أنَّ لبنانيَ، الذي يوحنا-بولسُ الثاني وأنا لَهُ، هوَ الرَجاءُ الجَديدُ للعالَمِ... في لَهيبِ صِراعِ الحَقِّ والأباطيلِ، الحُرِيَّةِ والشُرورِ!.